قبضة المصارف على قطاع التأمين هل هي قانونية؟

بقلم جوزف زخور

2018-01-26 : تاريخ النشر

ارسل المقال الى صديق اطبع المقال

قانون النقد والتسليف اي القانون الذي يرعى العمل المصرفي في لبنان يمنع على المصارف تعاطي الاعمال غير المصرفية، هذا في لبنان. اما في الولايات المتحدة الاميركية واوروبا والدول الصناعية عموما فيحظر على المصارف المشاركة في تغطية او تحمل اخطار غير مصرفية لا سيما من بينها الاخطار التي تضمنها شركات التأمين او تردد عليها جراء عقود تأمين صادرة عنها.

وقطعاً لأي ارتباط بين المصرف من جهة وشركة التأمين من جهة اخرى، فإن القانون الاميركي يمنع على المصارف تملك اسهم في شركات تأمين اطلاقا. وبنى المشرّع الاميركي قراره القطعي هذا على احتمالات تعثّر او سقوط شركات التأمين لأي سبب، ما يهدّد حقوق المساهمين فيها، ومن بينهم المصارف طبعا.

ولو حصل ان كان بين المساهمين مصارف اميركية لتعين عليها تحمّل ليس قيمة اسهمها وحسب بل وكذلك العواقب والتبعات المالية للملاحقات الجزائية والمهنية في حال ثبت ان افلاس شركة التأمين كان احتياليا او انه نتيجة لاخطاء مهنية جسيمة.

أما في اوروبا فالمصارف لا تساهم مباشرة في شركات التأمين وقد أوجدت قوانين خاصة بما يسمى بالتأمين عبر المصارف BANCASSURANCE. والشركـــــات التـــــي تساهـــــم فـــــي شركـــــات التأميـــــن عبـــــر المصــــــــــارف BANCASSURANCE هي شركات مستقلة لها رسملتها الخاصة، وكيانها القانوني الخاص وان كانت شركات تابعة او شقيقة لمجموعة مصرفية.  

وفي لبنان استوردت المصارف فكرة الـ BANCASSURANCE من غير ان تلحظ الحظر المنصوص عليه في قانون النقد والتسليف. وتبين الوقائع والارقام ان سيطرة المصارف  على قطاع التأمين في لبنان وبعض الدول العربية تتوسع وتشتد يوما بعد يوم دون ان يعترضها احد، اذ ارتفعت نسبة الاقساط الواردة الى شركات التأمين عبر المصارف في لبنان على سبيل المثال الى حوالى 65 بالمئة والى ذلك تملك المصارف 100 بالمئة من بعض شركات التأمين. كما تملك المصارف شركات لوساطة التأمين، وهذه الاخيرة هي التي تتقاضى عمولات دسمة عن الاقساط التي تحولها الى شركة التأمين.

والهدف الذي اراد المشرّع اللبناني بلوغه عند اعداد قانون النقد والتسليف عندما منع المصارف من تعاطي اعمال غير مصرفية هو عدم تورط المصرف بمخاطر تأمينية من شأنها ان ترفع منسوب الاخطار التي يتحملها حيال المودعين لديه.

الا ان ذلك لم يمنع المصارف من ان تنغمس انغماسا تاما في اخطار التأمين، حتى ان بعضها ذهب الى حدّ نشر افلام دعائية على شاشات التلفزة تروّج للمنتجات  التي تصدر عن شركات التأمين التابعة للمصرف. ولقد استفزت تلك الافلام الدعائية شركات التأمين المستقلة فشكت أمرها الى لجنة مراقبة هيئات الضمان وهذه الاخيرة رفعت الشكوى الى حاكم مصرف لبنان. وقد اصدر الحاكم اعلاما يحمل الرقم 921 بتاريخ 26/12/2017 يحذّر فيه المصارف من الترويج لعمليات التأمين او استضافة ممثلي الشركات التي يجري ابرام عقود التأمين معها في فروعها او مكاتبها الرئيسية، والسماح لها بالتحدث الى المودعين بشأن تلك العقود.

التعميم 921 اعطى مفاعيله لجهة  وقف نشر الافلام الدعائية، الا انه لم يغيّر شيئا في المشهد التأميني في لبنان على الاطلاق، حيث ما تزال اليد الطولى هي للمصارف التي تملك شركات تأمين ولا تجد صعوبة في الاستمرار بتغذية الشركات التابعة لها بكميات غزيرة من الاقساط. 

في رأيي ان قبضة المصارف على قطاع التأمين باقية وهي سوف تأخذ مدى اكبر ما لم يحظر عليها المساهمة في شركات التأمين.

وهذا الحظر لو صدر عن مصرف لبنان لن يسيء الى المصارف  بل انه يحفظ للمصارف سلامتها ويعزّز ثقة المودعين بها. 

ولا بد ان نذكر في هذا السياق انه سبق للبنان ان شهد قبل حوالى 20 سنة افلاس شركات تأمين عديدة جراء انخراطها في التأمين الصحي على نطاق واسع. وما تزال تلك الشركات تحاكم امام القضاء بتهمة الافلاس الاحتيالي وفي ذمتها ديون ومطالبات ضخمة مستحقة للمتعاقدين معها.

ورياض سلامة  الذي لا يخفى على احد تبصّره ورؤيته الاستباقية للاحداث، لا بد ان يبادر الى اتخاذ اجراءات تجبر المصارف على التقيد حرفيا بنصوص قانون النقد والتسليف، وبذلك يحدُّ من قبضتها على قطاع التأمين كما هي عليه الحال في هذا الوقت. والدول العربية التي لحقت بخطى لبنان في هذا المجال وسمحت لمصارفها بتملك شركات تأمين او الاستحواذ على اسهم فيها لا بد ان تتخذ هي ايضا الاجراءات التي تحرر قطاع التأمين من قبضة ال مصارف فيها. ونحن في لبنان أحوج ما نكون الى توسيع القاعدة الاقتصادية التي انحسرت خلال السنوات الماضية لتقتصر على المصارف بكونها المحرك الوحيد للعجلة الاقتصادية في لبنان.

 وتعدد المحركات يفيد القطاعات الاقتصادية كافة والقطاع المصرفي في طليعتها.





مقالات ذات صلة:

المستثمر العربي لم يتفهم طبيعة الاستثمار في إعادة التأمين


قبضة المصارف على قطاع التأمين هل هي قانونية؟


الرعاية الصحية ليست أخطــاراً تأمينيــة


»حرب السنتين« في لبنان لم تكن حربا بل اضطرابات مدنية!