الرعاية الصحية ليست أخطــاراً تأمينيــة

بقلم جوزف زخور

2017-12-11 : تاريخ النشر

ارسل المقال الى صديق اطبع المقال

القول بأن جامعة الدول العربية بقيت مكتوفة الأيدي منذ اندلاع السلسلة الجهنمية للربيع العربي سنة 2011 وحتى اليوم غير صحيح تماما. فلقد أحصت الجامعة الخسائر المادية واجرت تخمينا لتكلفة اعادة اعمار ما تهدم في العراق وسوريا وليبيا واليمن.

وخلال زيارته لبيروت قبل اسبوعين قال الامين العام للجامعة أحمد ابو الغيط ان فاتورة اعادة  الاعمار في الدول الاربع لن تقل عن 670 مليار دولار اميركي، ولو حصلت معجزة وتوقفت الحروب اليوم، تكون الدول العربية الاربع قد دفعت الثمن الاعلى لكبرى الحروب في التاريخ.

وعلى سبيل المقارنة فحسب اذكر ان الخسائر المادية التي تكبدتها المانيا جراء الحرب العالمية الثانية التي انتهت سنة 1945 باستسلامها الــــى الحلفــــاء بلغت 25 مليار دولار اميركي، وان مشروع مارشال MARSHALL PLAN المعروف بمشروع اعادة العافية لاوروبا بعد تلك الحرب EUROPE RECOVERY PLAN كلف الولايات المتحدة الاميركية 13 مليار دولار اميركي.

وبأسعار اليوم تكون التكلفة الاجمالية في الحرب العالمية الثانية قد بلغت حوالى 380 ملياراً اي نصف التقديرات التي جمعتها الجامعة العربية لتكلفة اعادة تأهيل الدول العربية الأربع المنكوبة.

الحروب العربية لم تتوقف بعد، الا ان حدة القتال خفت نسبيا في ثلاث من بينها هي العراق، سوريا وليبيا ما يعني ان المأساة لم تنته فصولاً وان المواطنين العرب ما يزالون يتعرضون للعنف ويتساقطون أشلاء، وان الآباء والامهات ما يزالون يكابدون فقدان فلذات اكبادهم، وأعداد اليتامى والمعوقين ما تزال تتصاعد.

الا ان رجال الاعمال يتحضرون في هذا الوقت في الدول المجاورة للدول العربية المنكوبة وفي عواصم كثيرة من العالم الصناعي، للمشاركة في عمليات اعادة الاعمار. وقد عقدت مؤتمرات وندوات في عواصم شتى ومنها بيروت والقاهرة واسطنبول ولندن وعمان، تحت شعار »إعادة إعمار سورية أو العراق أو ليبيا«.

وواقعا فإن في ورش الاعمار المنتظر اقامتها، ما يكفي لانعاش الاقتصادات الخامدة، ليس في الدول العربية وحسب بل وفي العالم اجمع.

من هنا، يطل علينا بصيص أمل في احتمال حصول ضغوط دولية تحمل مصانع وتجار الاسلحة على الانكفاء والاكتفاء بما جنوه من ثروات جراء توريد الاسلحة الى المقاتلين في المنطقة العربية. وبذلك تخلو الساحة لرجال الاعمال لا سيما المقاولين، ومصدري  المواد الاولية، وشركات التأمين والمصارف، لتحريك البولدوزر والبدء بإعادة اعمار ما تهدّم، وتقديم خدمات التأمين والتسهيلات المصرفية وغيرها.

وهذه ورشة إن بدأت، لن تنتهي بسنوات قليلة، بل انها تحتاج الى حقبة من الهدوء والطمأنينة قد تمتد 20 سنة.

من هنا، لشركات التأمين العربية ان تتطلع الى المستقبل القريب بشيء من التفاؤل، وباستعادة انشطتها العادية، والتي درجت على مزاولتها قبل ان يتسلل الركود الى المنطقة، وتلحقه الحروب ما شلّ الأعمال، وحمل شركات التأمين على مزاولة ما يسمى اليوم التأمين الصحي.

وعلى امتداد العقد الماضي من السنين، تصدّر التأمين الصحي وحلّ في المرتبة الأولى من حيث الأقساط المكتتبة لا سيّما في الدول الخليجية التي جعلت منه تأميناً إلزامياً MANDATORY، الا ان نتائجه الفنية وبفعل نقح فواتير الطبابة والاستشفاء وتكاثر عدد مقدمي الخدمات واحتدام المنافسة، انزلت بشركات التأمين في غير بلد عربي، خسائر جسيمة، حتى ان بعض الشركات تعثرت ولم تعد قادرة على متابعة المشوار.

وفي النشرات التي تصدرها مؤسسة النقد العربي السعودي SAMA حول الوهن الذي تعانيه حوالى عشر شركات تأمين سعودية، الخبر اليقين.

ولا بد ان اذكر هنا، ان الرعاية الصحية HEALTH CARE لا تدخل في عداد »الاخطار« RISKS التي وجدت  شركات التأمين اساسا لتغطيتها، ذلك ان الأمراض ليست اخطاراً محتملة PROBABLE RISKS بل متاعب ترافق الانسان على امتداد الحياة، وهــــي تدخــــل فــــي خانــــة الأمــــور المتوقعــــة EXPECTED وليس المحتملة.

من هنا، اعتبر بسمارك موحدّ المانيا في القرن التاسع عشر ان توفير الرعاية الصحية للمواطن موجب من موجبات الدولة. فوفّره لجميع المواطنين الالمان على نفقة الدولة ولحقت به بعد ذلك الدول الاوروبية والاميركية والصناعية في العالم.

الا ان تضاؤل الانشطة الاقتصادية في منطقة MENA جعل شركات التأمين تدخل حقل الرعاية الصحية كضامن لنفقات العلاج والطبابة والاستشفاء وجعل من تأمين النفقات الطبية MEDICAL EXPENSES INSURANCE  رافداً تستقي منه أقساط تأمين جديدة.

ولا بد للحكومات العربية التي تخلت عن توفير الرعاية الصحية لمواطنيها، ان تستعيدها الى أحضانها، وبذلك تعيد الطمأنينة الى شعوبها، كما في سائر الدول التي تحرص على أمنها الإجتماعي، وعندها تخرج شركات التأمين من حقل اجتماعي أثبتت الأيام أنه حقل ألغام.

في اي حال ليس على ابناء العروبة المخلصين الا ان يتمنوا في هذه الظروف ان تقفل ابواب الجحيم العربي التي فتحها الاشرار اعتبارا من العام 2011 لتستعيد اسواق التأمين العربية المهام التي وجدت اساسا لتوفيرها لمجتمعاتها، وما يسمى التأمين الصحي ليس من بينها.





مقالات ذات صلة:

الرعاية الصحية ليست أخطــاراً تأمينيــة


»حرب السنتين« في لبنان لم تكن حربا بل اضطرابات مدنية!


الغلبة للتأمين التعاوني والتكافل غير مجد اقتصادياً


متاعب التأمين الصحي

السعــر المقطــوع للعمــل الجــراحــي يحمــي شركــات التــأميــن مــن الهــلاك