»حرب السنتين« في لبنان لم تكن حربا بل اضطرابات مدنية!

بقلم جوزف زخور

2017-11-14 : تاريخ النشر

ارسل المقال الى صديق اطبع المقال

الحكم الذي اصدره مجلس القضاء الاعلى في قضية اغتيال رئيس الجمهورية المنتخب المرحوم بشير الجميل و23 شخصا آخرين من قبل عنصرين من الحزب السوري القومي الاجتماعي، اقفل ملفا قضائيا حول جريمة ارتكبت قبل 35 سنة.

الا ان الحكم فتح في المقابل جراحاً كثيرة. وفي مفكرتي هذه لن انكأ جرحاً.. انما استعيد في ذاكرتي    دعوى كانت قد تكونت بين شركة هوليداي إن HOLIDAY INN INC الاميركية من جهة وشركة اتنا للتأمين الاميركية AETNA INSURANCE من جهة اخرى. وقد رفعتها المدعية شركة هوليداي إن على شركة اتنا امام القاضي الفدرالي في نيويورك وذلك اواخر السبعينات من القرن الماضي. وكنت في حينه أتولى ادارة الفرع الاقليمي لمجموعة افيا سيجنا AFIA / CIGNA في بيروت. وشركة اتنا AETNA كانت في حينه عضوا في المجموعة التي أعنى بشؤونها في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا MENA.

امــا موضــوع الدعـــوى فهـو الخسائـر التــي تعرض لهـــا فنـــدق هوليـــداي إن HOLIDAY INN في بيروت جراء احتلاله من القوات اللبنانية (التابعة لحزب الكتائب بقيادة   بشير الجميل في تلك الحقبة) والقوات الفلسطينية وحلفائها ومن بينهم الحزب السوري القومي الاجتماعي، وقد اتخذ المقاتلون في حينه فندق هوليداي إن حصنا يحتمون به ومنصة يطلقون منها النار ضد اعدائهم في ما سمي في حينه معركة اسواق بيروت او »حرب الفنادق«، وعرفت تلك المرحلة في ما بعد بحرب السنتين 1975 - 1977 .

شــركة اتنـــا كانـــت قــــد ضمنــــت الفنـــــدق بموجــــب عقــــد تأمين ضــــد جميــــع الاخطــــار بما فيها الناجمة عن الاضراب والشغب والاضطرابات المدنية STRIKE RIOTS CIVIL COMMOTIONS (SRCC)  .

الا ان العقـــــد تضمـــــن استثنــــاءً لاخطــــار الحـــرب WAR الحرب الاهلية CIVIL WAR،  الاجتياح الخارجي INVASION التمرّد INSURRECTION والثورة REVOLUTION او الانتفاضة المسلحة REBELLION.

وقد رفضت شركة اتنا AETNA دفع التعويض الذي تطالب به شركة هوليداي إن وهو 11 مليون دولار اميركي لان الخسائر التي لحقت بالفندق في بيروت ناجمة عن الاخطار المستثناة من عقد التأمين المذكورة اعلاه لا سيما الحرب الاهلية CIVIL WAR.

وقد دعيت الى نيويورك حيث اجتمعت الى مكتب المحاماة الذي يتولى الدفاع عن الشركة وابلغت ان عبء الاثبات على ان الخسائر نجمت عن الحرب الاهلية او غيرها من الاستثناءات يقع على عاتق الشركة، وعليه يتعين علينا ان نُعدَّ شهودا WITNESSES يحضرون امام المحكمة في نيويورك ويدلون بعد اداء القسم بالاسباب التي حملتهم على القتال.

وأمكن لي ان أتواصل في حينه مع الكتائب اللبنانية عبر المحامي كريم بقرادوني وحزب الوطنيين الاحرار عبر المحامي موسى برنس وكان الحزبان يحاربان جنبا الى جنب ضد المنظمات الفلسطينية وحلفائها. كما تواصلت مع الحزب السوري القومي الاجتماعي عبر قيادته برئاسة المرحوم انعام رعد .

وقد تمنيت على الاحزاب الثلاثة السماح لاي من المقاتلين الذين حاربوا الى جانبهم الذهاب الى نيويورك وعرض الاسباب التي جعلتهم يتقاتلون.

واختصارا أذكر ان الاجوبة التي تلقيتها كانت كالآتي:

- قائد القوات اللبنانية المرحوم بشير الجميل يرفض ارسال شاهد مقاتل الى اميركا لان الموضوع المتنازع عليه تجاري وليس قضية عامة.

- حزب الوطنيين الاحرار قرر انتداب المحامي موسى برنس الذي لم يحمل السلاح، الا انه كان مؤهلا ليشرح اسباب الحرب. ومن الطرائف التي أذكرها عن محادثتي مع المرحوم المحامي موسى برنس انه  ابلغني ان منصبه في الحزب هو امين العقيدة وهو يعادل منصب مكايل سوسلوف MICHAEL SUSLOV امين العقيدة في الحزب الشيوعي السوفياتي.

- الحزب السوري القومي الاجتماعي لم يجد مانعا  في ان يعرض على المحكمة الاميركية وعبرها على الرأي العام الاميركي الاسباب التي جعلته يخوض المعركة.

وبناء عليه أذن لأحد المقاتلين بالسفر الى نيويورك.

وكنت ابلغت الاحزاب التي تواصلت معها ان القانون الاميركي يسمح  للمتنازعين ان يستحضروا الشهود الى المحكمة على نفقتهم. وبناء عليه اخذت على عاتق الشركة التي أمثل دفع نفقات السفر بالكامل.

وبالفعل سافر المقاتل السوري القومي الاجتماعي كما سافر المحامي موسى برنس وأدليا امام المحكمة بالاسباب التي ادت الى قيام ما سمي بـ »حرب السنتين«.

موسى برنس ابلغ المحكمة ان حزبه حمل السلاح الى جانب الكتائب اللبنانية وحارب لمنع تحويل لبنان الى دولة بديلة لفلسطين ومنع سقوطه في قبضة المنظمات الفدائية.

المقاتل السوري القومي ابلغ المحكمة ان حزبه شارك في المعركة بغية منع تقسيم لبنان وتحويله الى دولة طائفية.

وفي 1983 اصدرت المحكمة قراراً مطولا وجدت فيه ان »حرب السنتين« لم تكن حربا بالمعنى القانوني لكلمة WAR ولم تكن اجتياحا INCURSION لانها لم تكن حرباً بين دولتين. ذلك ان القوى الفلسطينية لم تكن تابعة لدولة سيادية SOVEREIGN STATE. ولم تكن حرب السنتين كذلك حربا اهلية لان القتال بين اللبنانيين لم يكن يستهدف قلب النظام او حلول طائفة مكان طائفة اخرى. وهذان معياران قانونيان لتوصيف الحرب الاهلية CIVIL WAR.  

ووجدت المحكمة ان مواصفات التمرّد INSURRECTION لا تنطبق على المعارك التي خاضعها الفلسطينيون ضد النظام في لبنان لان التمرّد، والثورة REVOLUTION والانتفاضة REBELLION تعني ان تقوم مجموعة او حركة بأعمال عنف بغية تحقيق هدف معين وهو قلب النظام والسيطرة على الحكم.

وبناء عليه اعتبرت المحكمة ان حرب السنتين لا يمكن توصيفها بين اي من الاستثناءات التي استندت اليها شركة التأمين اتنا لرفض المطالبة. وعليه يمكن توصيفها بالاضطرابات المدنية CIVIL COMMOTIONS المغطاة في عقد التأمين. وهذا ما كانت قد توصلت اليه ايضا احدى المحاكم البريطانية في دعوى مخازن سبينيس  SPINNEYS   في منطقة الجناح ضد شركة رويال ROYAL التي كانت تغطي تلك المخازن، كما توصلت اليه احدى المحاكم الاميركية في دعوى اقامتها شركة بان اميركان PANAM ضد الشركة الضامنة جراء الاضرار التي لحقت بمكاتبها في ساحة رياض الصلح.

 وقررت المحكمة منح الفريقين المتخاصمين مهلة يتوصلون خلالها الى تسوية حبية خارج المحكمة COMPROMISE تجنبا لحكم يصدر ضد شركة التأمين وتعمد هذه الاخيرة الى استئنافه.

وهذا ما حصل فعلا بين الفريقين في الولايات المتحدة الاميركية. وقد ابقى الفريقان التسوية التي توصلا اليها سرية، واتفقا على ان لا يعلنا عنها.

لعل الضامنين  ومعيدي الضمان، والوسطاء، ورجال القانون العرب يجدون في هذه المفكرة ما يبين لهم المعايير والاسس التي تعتمدها المحاكم الاجنبية في توصيف الحروب وغيرها من الاخطار التي يجري استثناؤها عادة من عقود التأمين المتداولة في المنطقة العربية.





مقالات ذات صلة:

»حرب السنتين« في لبنان لم تكن حربا بل اضطرابات مدنية!


الغلبة للتأمين التعاوني والتكافل غير مجد اقتصادياً


متاعب التأمين الصحي

السعــر المقطــوع للعمــل الجــراحــي يحمــي شركــات التــأميــن مــن الهــلاك


شركة الاعادة التي دفعت ثمن انهيار اتحاد الجمهوريات العربية!