شركة الاعادة التي دفعت ثمن انهيار اتحاد الجمهوريات العربية!

بقلم جوزف زخور

2017-08-21 : تاريخ النشر

ارسل المقال الى صديق اطبع المقال

القلق الذي يساور كثيرين من العرب حول مستقبل مجلس التعاون الخليجي تبرره التجارب والمحن التي سبق ان عصفت بكيانات اتحادية عربية عديدة اخرى ففرقت بين أعضائها وألحقت بهم خسائر فادحة. والخسائر التي تنجم عن الشقاق والتباعد بين اعضاء الكيان التوحيدي الواحد لا تقتصر على تعكير  الصفاء السياسي بل انها تتوسع لتشمل اقتصادات الدول الاعضاء لا سيما الشركات والمشاريع الاقتصادية المشتركة JOINT VENTURES والتي تكوّن  الدول الاعضاء في الكيان التوحيدي قد انشأتها في ما بينها في اوقات سابقة.

وفي هذا السياق قد يصح هنا، ان نستعيد في هذه المفكرة المحنة التي عصفت بشركة الاتحاد العربي لاعادة التأمين ARAB UNION RE  جراء تفكك اتحاد الجمهوريات العربية. والمصير الذي انتهت اليه الشركة لا بد ان يحض المعنيين بمجلس التعاون الخليجي على العمل من اجل تجنب مغبة الافتراق والابتعاد بين الاخوة.

ففي العام 1971 اي بعد حوالى سنة من وفاة جمال عبد الناصر اراد معمر القذافي ان يدخل ليبيا في تجربة وحدوية عربية جديدة، فاقترح إقامة وحدة كاملة UNION بين ليبيا، مصر وسوريا.

الا ان أنور السادات وجد من غير المناسب تكرار التجربة الفاشلة للوحدة المصرية السورية (1958 - 1961) والاكتفاء بإنشاء اتحاد كونفدرالي بين الدول الثلاث على ان تستفتى شعوب الدول الثلاث ويؤخذ برأيها قبل الاقدام على ذلك وهكذا كان.  فقد وافقت شعوب الدول الثلاث باستفتاء جرى سنة 1971 على قيام اتحاد الجمهوريات العربية بنسبة 99 بالمئة، واعلن قيام الاتحاد بعواصمه الثلاث طرابلس الغرب، القاهرة ودمشق سنة 1972.

وعملت الدول الثلاث على انشاء عمليات اقتصادية مشتركة في ما بينها تعزيزا لاقتصاداتها الوطنية والمصلحة المشتركة للاتحاد.

وفـــــي العـــــام 1974 انشئت شركـــــة الاتحـــــاد العربـــــي لاعادة التأمين ARAB UNION RE لتكون الخزان الذي تصب فيه اقساط اعادة التأمين التي درجت شركات التأمين في الدول الثلاث، لا سيما الحكومية من بينها، على تصديرها الى اسواق اعادة التأمين  الاجنبية.

ونجحت الشركة فعلا وخلال السنين الاولى من عمرها، في تكوين محفظة مهمة من اسنادات اعادة التأمين، وعملت مثل اي شركة اعادة اخرى، على اعادة اسناد الاخطار التي تتجاوز قدرتها المالية الى اسواق اعادة التأمين الاجنبية عبر اتفاقات اعادة - اعادة التأمين RETROCESSION. الا ان الخلافات السياسية ما لبثت ان بدأت تنخر هيكل الاتحاد وتعمل على تفكيكه. وبلغت الخلافات ذروتها سنة 1977 حيث اعلن السادات انسحاب مصر من الاتحاد.

وفي العام 1979 وقّع أنور السادات اتفاق السلام مع اسرائيل فقاطع العرب مصر واضطرت شركة اعادة التأمين  العربية ARAB UNION RE الى وقف تعاملها مع سوق التأمين المصرية وهي كبرى اسواق التأمين في الدول الثلاث.كما علّقت  حصة مصر في الشركة واعادت توزيعها بالتساوي بين سوريا وليبيا. وهكذا اصبحت شركة ARAB UNION RE مملوكة من ليبيا وسوريا. وبعد ان افتتحت فرعا لها في طرابلس الغرب وثانيا في دمشق، (المركز الرئيسي للشركة) تابعت العمل بكونها المعيد الوحدوي.

وأطل العام 2011 حاملا معه ما سمي زورا »بالربيع العربي«، فاغتيل معمر القذافي وانهارت الدولة الليبية  بعد ان دمرت طائرات وبوارج الحلف الاطلسي NATO مرافقها الحيوية كافة (بما في ذلك كبرى محطات النهر الصناعي العظيم وهو المشروع الذي استخرج المياه العذبة من باطن الارض جنوب ليبيا الى مدنها الكبرى، عبر انبوب بلغ طوله 2800 كيلومتر وبتكلفة تجاوزت 25 مليار دولار اميركي).

هذا على جانب الليبي، اما في سوريا فقد تحول »ربيع دمشق« الى حروب لم تنته حتى تاريخ كتابة هذه المفكرة. والى ذلك وضعت سوريا على اللائحة السوداء، ولم يعد مسموحا للمصارف وشركات اعادة التأمين العالمية ان تتعامل مع مؤسسات القطاع العام السوري ومن بينها شركة الاتحاد العربي لاعادة التأمين ARAB UNION RE اضافة الى مجموعة كبيرة من رجال الاعمال الموالين للنظام.

وبذلك فقدت شركة الاتحاد العربي لاعادة التأمين قدرتها على قبول الاسنادات او دفع المطالبات بالعملات الاجنبية. ولم يعد بمتناولها الا ان تتعامل مع الاسنادات السورية المحلية والمحررة بالليرة السورية تحديدا. وذلك ضمن الحدود التي تسمح بها اموالها الخاصة. وزاد من الضيق الذي تعانيه الشركة، تدهور سعر صرف الليرة السورية حيال الدولار الاميركي. ولم تنته المحنة هنا، ففي بيان اصدرته وكالة التصنيف ا.ام.بست A.M.BEST اعلنت انها سحبت التصنيف الذي كانت الشركة قد حازت عليه في اوقات سابقة لقدرتها المالية وهو في مرتبة بي بلوس (B+) التي تعني جيد GOOD .

هكذا أفِلَ نجم »الاتحادية« كما درج على تسميتها، وطويت الصفحات المشرقة من سيرتها.

لقد رأيت ان اروي قصة ARAB UNION RE في مفكرتي هذه علني بذلك ألفت أنظار المعنيين في مجلس التعاون الخليجي الى المشاق التي يمكن ان تواجه العمليات المشتركة الخليجية في حال تفكك مجلس التعاون الخليجي او تعرض كيانه لأي انتكاسة.

ومحبّو الخليج ونحن من بينهم يؤلمهم ان يروا الشقاق يتسلل الى مجلس التعاون الخليجي. وخلافا لما انتهت اليه الاتحادات العربية الاخرى، المغاربية منها، والمشرقية من انشقاقات او موت سريري. فلقد صمد مجلس التعاون الخليجي أمام التحديات الكبيرة التي تعرّض لها منذ تأسيسه في العام 1981. وليس من مواطن خليجي الا ويريد له ان يستمر ويبقى  إرثا خيرا وصرحا متينا يخلفه الجيل الحالي للأجيال العربية القادمة.

عسى الغيمة السوداء التي تخيّم منذ اشهر فوق سماء الخليج تنجلي وتعبر ليعود الصفاء الى اهاليه.

صح القول: ما دخلت السياسة شيئا الا أفسدته.





مقالات ذات صلة:

»حرب السنتين« في لبنان لم تكن حربا بل اضطرابات مدنية!


الغلبة للتأمين التعاوني والتكافل غير مجد اقتصادياً


متاعب التأمين الصحي

السعــر المقطــوع للعمــل الجــراحــي يحمــي شركــات التــأميــن مــن الهــلاك


شركة الاعادة التي دفعت ثمن انهيار اتحاد الجمهوريات العربية!