لا نهضة للتأمين العربي ما دامت الثروات العربية ترحّل وتستثمر في الدول الصناعية!

بقلم جوزف زخور

2016-09-08 : تاريخ النشر

ارسل المقال الى صديق اطبع المقال

  قبل ان يكون »الربيع العربي«، وقبل ان يتحول الى حروب تستنزف قدرات الحكومات العربية وصناديقها السيادية، كان المتمولون العرب يؤثرون استثمار ثرواتهم الشخصية في الدول الصناعية على ان يوظفوها داخل الأوطان التي يحملون جنسياتها. ولتلك الظاهرة المتفشية على امتداد الـ 10 ملايين كيلومتر مربع والممتدة بين المحيط والخليج سببها الاساسي وهو انعدام الثقة بمستقبل الانظمة الحاكمة.

ذلك انه ومنذ منتصف القرن الماضي شهدت المنطقة العربية انقلابات عسكرية وغير عسكرية وبعضها حصل ضمن العائلة الواحدة وأدت الى تغيير الحكام وابعاد »البطانة« الخاصة بكل منهم. ويقصد بالبطانة مجموعة الاشخاص الملتصقين بـ »البلاط« والمنتفعين منه.

والتغيير الفجائي للحكام وفي غير مواعيده الدستورية على ما هي الحال في الدول العربية عامة،  يثير قلق المتمولين، لا سيما اولئك الذين جمعوا ثرواتهم بفعل انتمائهم الى هذه البطانة او تلك. ولذا، وحرصا منهم على ابقاء اموالهم في منأى عن اي تغيير داخلي وأي متاعب داخلية يمكن ان تؤدي الى مصادرة اموالهم، فإنهم يسرعون في شحنها الى حساباتهم المصرفية خارج البلاد ومن هناك يوظفونها في استثمارات عبر شركات استشارية متخصصة.

وفـــــــي دراســـــــة أعدّتهـــــــا مجموعـــــــة بـــــــوسطـــــــن للاستشـــــــارات BOSTON CONSULTING GROUP تبين ان قيمة الثروات الشخصية التي تعود للمتمولين العرب والمستثمرة في الدول الصناعية بلغت نهاية العام 2015 حوالى 8 تريليونات دولار اميركي (التريليون يساوي الف مليار دولار اميركي).

وتوقّعت الدراسة ان ترتفع قيمة تلك الثروات الى 11,8 تريليون دولار اميركي بحلول سنة 2020.

وفي رأينا الشخصي فإن »الربيع العربي« الذي انطلق سنة 2011وتحوّل الى حروب دامية وتقسيمية ما تزال جارية، وهي تحصد الضحايا بمئات الآلاف وتدمّر المدن، والمصانع، وغيرها من ادوات الانتاج، اثار مزيدا من الهلع في نفوس المتمولين العرب وجعلهم يسرّعون في ترحيل ما يملكونه من ثروات الى خارج الفضاء العربي.

وورد في الدراسة ان 18,9 بالمئة من تلك الاموال مودعة لدى المصارف في امارة ليختنشتاين LIECHTENSTEIN الرابضة في جبال الالب ALPES بين سويسرا والنمسا والتي تمنح المودعين اعفاءات ضريبية سخية، وان حصة البنوك السويسرية من الـ 8 تريليونات هي 15 بالمئة.

وما يهمنا في هذه المفكرة هو ان نلفت الى الوقع السيئ لترحيل تلك الاموال عن الاراضي العربية على التأمين العربي بالذات.

فلو جرى توظيف جزء من تلك الاموال في بناء مصانع او مزارع في المنطقة العربية لساهمت ليس في تخفيف وطأة البطالة وحسب، بل وفي تعزيز الدخل القومي للدول العربية ما يؤهلها لبناء المدارس والجامعات، ومختبرات البحوث العلمية، لتؤهل الشابات والشبان العرب وتنمي خبراتهم العلمية ليدخلوا العصر الالكتروني الذي نحن فيه ويكونوا جزءا فاعلا فيه.

ولو حصل ذلك لتوافرت الواردات لملايين العائلات العربية المحرومة، ومدتها بأسباب العيش الكريم.

ومثل هذا التحوّل في المستوى العلمي والفني للمجتمعات العربية يفتح امام شركات التأمين والاعادة والوساطة العربية فرص انماء محافظها بعقود تأمين جديدة تغطي بموجبها الاخطار الصناعية والزراعية والتجارية INDUSTRIAL AND COMMERCIAL RISKS وكذلك الاخطار ذات الصلة بحياة الفرد، والممتلكات الشخصية التي يتوصـــــــل المواطن العربـــــــي الى امتلاكهـــــــا من مدخـــــــرات، او حوائـــــــج INDIVIDUAL LIFE AND PROPERTY.

»اللازمة« التي ما فتئ الاتحاد العام العربي للتأمين GAIF يرددها منذ نشأته مطلع الستينات من القرن الماضي وترددها من بعده اتحادات وجمعيـــــــات التأميـــــــن العربيـــــــة ان النقص فـــــــي الوعـــــــي التأمينـــــــي LACK OF INSURANCE AWARENESS هو الذي ابقى الاختراق التأميني (اي مساهمة التأمين في الناتج المحلي في الدول العربية مجتمعة) يقل عن واحد بالمئة في السنة.

والحقيقة هي انه في غياب الاستثمارات الداخلية لن تكون هناك نهضة اقتصادية عربية ولن تتاح لصناعة التأمين في العالم العربي ان تنهض.

والتذرّع بنقص في وعي المواطن العربي لأهمية التأمين هو كذبة تحولت مع مرور السنين الى »لازمة« يكررها المحاضرون العرب منهم والاجانب في مؤتمرات وندوات  GAIF. وتلك الكذبة لا تخفي المأساة الناجمة عن ترحيل الاموال العربية الى الخارج وحسب، بل تسيء الى المواطن العربي الذي يدرك اهمية التأمين تماما الاّ انه ليس لديه من متاع الدنيا ما يمكنه من الاستحواذ على شيء يستحق ان يعقد عليه تأمينا.

في المقابل فإن التريليونات الثمانية المودعة في الخارج تفعل فعلها في انعاش المجتمعات الصناعية وتساعدها على المضي قدما في رفع مستوى العيش والرفاهية فيها، وتفتح  في الوقت عينه امام اسواق التأمين الصناعية فرص انماء محافظها بنسب مئوية وبكميات من الدولارات نتابعها نحن بغصة مقرونين  بأسى وبخجل مما نحن عليه.





مقالات ذات صلة:

»حرب السنتين« في لبنان لم تكن حربا بل اضطرابات مدنية!


الغلبة للتأمين التعاوني والتكافل غير مجد اقتصادياً


متاعب التأمين الصحي

السعــر المقطــوع للعمــل الجــراحــي يحمــي شركــات التــأميــن مــن الهــلاك


شركة الاعادة التي دفعت ثمن انهيار اتحاد الجمهوريات العربية!