في خطى النهضويين
من لبنانيي  مصر في القرن الـ 19

بقلم جوزف زخور

2016-07-12 : تاريخ النشر

ارسل المقال الى صديق اطبع المقال

بفيض من كلمات المحبة نعى مصباح كمال (لندن) شقيقنا أنطوان زخور (1932 - 2016)، الى شركات التأمين والإعادة والوساطة العربية واصفا انطوان بعميد صحافة التأمين العربي.
وفي كلمة وجهها مصباح اليّ قال:  »ان انطوان زخور بإطلاقه أولى المجلات العربية الاقتصادية، والتي خصصت مساحات مهمة من صفحاتها، لنهضة التأمين العربي، إنما استكمل العمل النهضوي الذي كان قد بدأه الأجداد من اللبنانيين في مصر منتصف القرن التاسع عشر«.
ولعلّ أهم النهضويين اللبنانيين الذين اراد مصباح ان يذكّر القراء العرب بهم هم:
- جرجي زيدان الذي أسس دار الهلال وهذه الأخيرة أصدرت مجلة »المصور« حوالى سنة 1835 ولم تكن تصدر في تلك الحقبة في مصر سوى الجريدة الرسمية والتي تحمل اسم »الوقائع المصرية«.
- الدكتور شبلي الشميل الذي أصدر مجلة »الشفاء«، وكانت اولى المجلات العربية التي نقلت للقارئ العربي التطورات الجارية على المستوى الطبي العالمي.
- المحامي أمين الشميل (شقيق شبلي) الذي أصدر مجلة »الحقوق« وكانت اولى المجلات العربية التي عنت باطلاع المحامين والقراء العرب على الاجتهادات القضائية.
- سليم وبشارة تقلا اللذان أصدرا »الأهرام« العام  1875وهي ما تزال تتقدم صفوف الصحف العربية.
- الأديبة مي زيادة التي انشـأت في منزلها في القاهرة، وللمرة الاولى في العالم العربي، صالوناً أدبياً اسبوعياً استمر عشرين عاما، ودرجت على ان تستضيف فيه »الخالدين« من أدباء مصر وشعرائها، نذكر من بينهم، عباس محمود العقاد، طه حسين، احمد شوقي، خليل مطران، حافظ ابراهيم، انطوان الجميل وغيرهم. والى ذلك حملت مي زيادة على أكتافها قضية تحرير المرأة المصرية من عتق التقاليد البالية، لا سيما من بينها السيطرة الذكورية، كما زوّدت المكتبات بعدد كبير من  المؤلفات باللغات العربية والاجنبية.
خلاصة القول ان اللبنانيين الذين كانوا قد لجأوا الى مصر في عهد محمد علي باشا، هرباً من الاضطهاد العثماني استحدثوا ووضعوا في متناول المجتمع المصري آليات وأدوات تواصل لم تكن قد بلغت مصر بعد، وتلك الادوات هي التي  أمكنت للقراء المصريين ان يكونوا على تواصل مع العالم الخارجي، وان يواكبوا أخبار »الثورة الصناعية« والنهضات الأدبية والفنية والإبداعية التي كانت تجتاح العالم، وأوروبا القريبة من مصر خصوصاً. ولذا قيل فيهم انهم اللبنانيون الذين حملوا بذور النهضة الى مصر في القرن التاسع عشر.
وهذا بالتأكيد ما فعلته مجلة »البيان« على المستوى الإقتصادي العام والتأمين العربي على نحو خاص.
فقبل »البيان« كان قارئ التأمين العربي يعيش في ظلمة، ولم يكن لديه وسيلة اعلامية تطلعه على ما يجرى في فلك صناعة التأمين في العالم.
وفلك التأمين كما نعلم تدور فيه أجرام كثيرة ليس أقلها شركات التأمين وإعادة التأمين والوساطة وشركات تسوية الخسائر الخ...
وكان انطوان يصرّ على أن اكتب »مفكرة« شهرية حول التأمين الذي درسته ومارسته بتعمّق، كما كان يصر على شقيقي ايلي (الذي يشغل اليوم منصب رئيس الغرفة الدولية للملاحة) ان يخص المجلة بأخبار النقل.
حتى المؤتمرات التي كان يعقدها الاتحاد العام العربي للتأمين GAIF لم يكن يدري بها سوى المحدود جدا من ممثلي الأسواق المشاركين فيها.
أما رؤساء جمعيات واتحادات وشركات التأمين العرب فلم يكن لديهم وسيلة يطلون عبرها على الجمهور العربي.
انطوان زخور، بما كان يتمتع به من شهامة و»خفة ظل« وقدرة على الفوز بصداقة محدثيه، استطاع ان يكوّن لنفسه شبكة كبيرة من الصداقات مع أسرة التأمين داخل لبنان وخارجه. ولقد فاز بصداقة هؤلاء وثقتهم. وإذا بمجلة »البيان« تصبح المنبر الذي يطلون منه على اسواق التأمين العربية من البصرة في الخليج العربي الى مراكش على شاطئ الاطلسي ليعرضوا العوائق التي تعترض محاولاتهم نشر الثقافة التأمينية عربيا.  
ولم يكن انطوان يكتفي بالمقابلات التي يجريها شخصياً مع رؤساء الاتحادات والجمعيات في لبنان والدول العربية، بل كان يحرص على ان ينتقي الأخبار التي يراها مفيدة وشيقة للعاملين في مجال التأمين العربي، لا سيما الاحكام القضائية التي كانت تصدر عن المحاكم سواء في العالم العربي او الخارج. وكان يحاول ما استطاع ان يسهّل قراءتها، ويبعد منها الكلام الجاف والمحلي بحيث تصبح جاذبة ومفيدة للقارئ العربي.
ولا بد لي أن أذكر هنا ان صديقاً لأنطوان أرسل له فتوى صادرة عن النجف الأشرف وفيها توكيد على ان التعاقد مع شركة تأمين مباح شرعاً.
وما إن نشر انطوان تلك الفتوى حتى وردته عشرات رسائل الشكر من وكلاء التأمين العاملين في الأسواق العربية. فلقد وجد هؤلاء في تلك الفتوى مستنداً يقدمونه للزبائن المحتملين والمترددين بإبرام عقد تأمين على الحياة لكونه »حراماً«، على ما كان يتردّد في تلك الحقبة.
والذين شكروا انطوان في حينه لم يُخفوا اعجابهم بتجرُّئه على نشر الفتوى على صفحات مجلته.
وكان للأضواء التي سلطها انطوان على مؤتمرات  وندواتGAIF ولقاء مونتي كارلو MONTE CARLO وعلى حفلات التخرج التي تجرى سنوياً في مركز علوم التأمين (CEA) في بيروت، فعلها في حضّ الشبان والشابات العرب على المشاركة في تلك المنتديات.
ولعبت مجلة »البيان« دوراً مهماً في حضّ شركات التأمين وإعادة التأمين على الاقتداء بقريناتها في الدول الصناعية والحصول على تصنيف دولي لقدراتها المالية وبعضها كان في الماضي يعتبر التصنيف »لزوم ما يلزم«.
والنجاح الذي حققته »البيان« حفّز صحافيين لبنانيين آخرين على تأسيس مجلات اقتصادية، وبعض من تلك المجلات خصّ التأمين بعدد لا بأس به من الصفحات مقتديا بـ »البيان«.
إلا ان مجلة انطوان زخور تبقى الرائدة ويبقى انطوان صحافياً  لبنانيا استحدث صحافة عربية كان المجتمع العربي يفتقدها، وبذلك استحق ان يكون عميدا لصحافة التأمين العربي، وان تكون مجلته الرائدة بين قريناتها .





مقالات ذات صلة:

الرعاية الصحية ليست أخطــاراً تأمينيــة


»حرب السنتين« في لبنان لم تكن حربا بل اضطرابات مدنية!


الغلبة للتأمين التعاوني والتكافل غير مجد اقتصادياً


متاعب التأمين الصحي

السعــر المقطــوع للعمــل الجــراحــي يحمــي شركــات التــأميــن مــن الهــلاك