لصناعة التأمين من ارهابيي باريس وبروكسل هدية!

بقلم جوزف زخور

2016-04-11 : تاريخ النشر

ارسل المقال الى صديق اطبع المقال

الهجوم الدموي الذي شنه ارهابيون على العاصمة الفرنسية ادى الى مقتل ما يزيد عن 130 شخصا وألحق اصابات جسيمة وبعضها دائم في عدد آخر من الضحايا، اما تكلفته الاقتصادية فتقدر بـ 9 مليارات دولار اميركي.
الا ان الجزء المغطى منها لدى شركات التأمين لا يتجاوز بضعة ملايين من الدولارات.
ذلك ان الخسائر الاقتصادية نجمت عن اقفال المناطق التجارية والسياحية لا سيما الفنادق بفعل الطوق الامني وجعلت منها مناطق محرّمة CORDONNED OFF AREA وذلك بانتظار ان يستخرج منها الخبراء والاختصاصيون الادلة الجرمية.
وقد استغرق ذلك بضعة اسابيع رافقها اقفال طوعي للحانات والملاهي والمطاعم والمتاجر الليلية في معظم احياء باريس، بفعل الرعب الذي خيم عليها وما زالت مفاعيله بادية حتى الآن.
ولقد جاء الهجوم الارهابي على مطار بروكسل ومحطة المترو فيها، ليدمي القلوب مرة جديدة، ويرفع مستوى الذعر والقلق على المصير.
فإلى الـ 40 قتيلا و300 جريح تكبدت العاصمة البلجيكية خسائر اقتصادية فادحة لا تقتصر على اقفال المطار لأسبوعين ووقف رحلات المترو لأيام عديدة، بل ان الاسواق التجارية فيها توقفت عن العمل وشلت الحركة السياحية والغيت المؤتمرات والندوات التي كانت معدة للانعقاد هناك. كما الغى رجال الاعمال زياراتهم الى العاصمة التي عرفت بهدوئها الدائم.
ولم يتبرع اي من الخبراء حتى الآن بتخمين الخسائر الاقتصادية وتلك التي تتحملها شركات التأمين. الا ان المنطق ينبئ بأن الامر لن يختلف عما اسفر عنه الاعتداء الارهابي على باريس، اي ان حصة اسواق التأمين من الخسائر لن تتجاوز بضعة ملايين من الدولارت مقابل بضعة مليارات من الخسائر الاقتصادية الناجمة عن التعطيل والاقفال والالغاء القسري والطوعي.
في حالتي باريس وبروكسل تبين بوضوح ان عقود التأمين التي تحملها المؤسســـــات التجاريـــــة والسياحيـــــة، تغطـــــي الاضرار الماديــــــة المباشرة PHYSICAL DAMAGE التي تلحق بها جـــــراء اي عمـــــل عنف تتعـــــرض لـــــه VIOLENT ACT ، كما ان بعضها يحمل عقود تأمين تغطي الخسائر التي تنجم عن توقف العمل BUSINESS INTERRUPTION جراء الضرر المادي المباشر الذي يلحق بالمؤسسة حاملة عقود التأمين بالذات.
الا ان الاكثرية الساحقة من عقود التأمين التي تحملها المحال والمؤسسات لا تغطي التعطيل الناجم عن اي قرار تتخذه السلطات المختصة ويقضي بإقفال المنطقة لدواعي التحقيق. 
صحيح ان الاحياء الكائنة في جوار برجي مركز التجارة العالمية WTC كانت قد تعرضت لنوع مماثل من الخسائر جراء اقتحام البرجين وتهديمهما بطائرتين مختطفتين من قبل ارهابيين بتاريخ 11 ايلول (سبتمبر) 2001، الا ان تلك الحالة كانت الاولى من نوعها في التاريخ واعتبرت في حينه حالة استثنائية وفريدة من نوعها وبالتالي لن يكون لها تكرار مستقبلا.
ولذا، لم تجد صناعة التأمين العالمية في حينه ضرورة لإعداد عقد تأمين تغطي بموجبه التوقف عن العمل BUSINESS INTERRUPTION وما يتبعه من ربح فائت LOSS OF PROFIT جراء اقفال منطقة جغرافية صغيرة او كبيرة من قبل السلطات الأمنية.
ما يعني ان عقود التأمين المعمول بها حاليا والتي تغطي التوقف عن العمل الناجم عن ضرر مادي مباشر يلحق بالمؤسسة المضمونة (المؤمن لها)  لم تعد تلبي حاجة مجتمعات الاعمال سواء في الدول الصناعية او حتى عندنا في دول العالم الثالث ودول الخليج العربي امتدادا الى شمال افريقيا فالمغرب العربي.
من جهة اخرى، وفي ضوء المعلومات التي ترددت مؤخرا عن استيلاء منظمات ارهابية على كميات من المواد الكيميائية والجرثومية في المناطق التي سقطت بين أيدي »داعش« وشقيقاتها والتي يمكن استعمالها في اي عمل عدائي او حربي مستقبلا، فلقد بدأت كبريات شركات وساطة التأمين في العالم تباحث اسواق التأمين واعادة التأمين بوجوب اعادة النظر في البند المدرج في عقد التأمين ضد العنف السياسي POLITICAL VIOLENCE والذي تستثني شركة التأمين بموجبه مسؤوليتها عن اية خسائر مباشرة او غير مباشرة تنجم عن الاعتداءات البيولوجية والكيميائية BIOLOGICAL OR CHEMICAL ATTACKS اضافة الى الاسلحة النووية NUCLEAR.
ويرجح ان تتجاوب اسواق التأمين مع رغبة مجتمعات الاعمال في توسيع اطار عقد تأمين العنف السياسي ليشمل اضافة الى الاضرار المباشرة التي تصيب حملة عقد التأمين المشار اليه بالذات، الخسائر الاقتصادية وغير المباشرة التي يمكن ان تنجم عن التوقف القسري للعمل جراء اقفال المنطقة الواقعة فيها المؤسسة المضمونة (المؤمن لها) من قبل السلطات الامنية لأي سبب، على ان تحدد المساحة المغطاة من قبل شركة التأمين بشعاع يتفق عليه ويمتد  لكيلومترات محدودة بين موقع الجريمة (الاعتداء الارهابي) والمؤسسة المغطاة بعقد التأمين.
كمـــــا يرجح ان توافق صناعة التأمين وبعض صناديق لويدز بالتحديد LLOYD'S SYNDICATE على توفير غطاء محدود للخسائر البشرية والمادية التي يمكن ان تنشأ عن اعتداء جرثومي او كيميائي تشنه منظمات ارهابية على ان يخضع لسقف منخفض بحيث لا ينهش  في حال حصوله، رسملة الشركة الضامنة او يضعف ملاءتها.
وهكذا فإن الاعتداءَين الارهابيين اللذين استهدفا باريس وبروكسل اسفرا عن تكشف اخطار قابلة للتأمين INSURABLE RISKS  لم تكن صناعة التأمين قد أعدت لتغطيتها.
وصناعة التأمين سميت »صناعة « INDUSTRY لكونها تواكب الاخطار المستجدة وتوفر لها الاغطية التأمينية. ولذا يتوقع ان تضع صناعة التأمين في متناول مجتمعات الاعمال والمال عقود التأمين المناسبة لتغطية الخسائر المادية التي تنجم عن اقفال مناطق وأسواق تجارية  بكاملها من قبل السلطات الحاكمة، ولأغراض تتعلق بالتحقيق وبجمع الادلة الجرمية او غيرها من الاسباب.
وتسويق العقود الجديدة سوف يأتي حتما على صناعة التأمين بواردات وبأقساط جديدة تملأ الفراغ الناشئ عن تراجع الاستهلاك في العالم.
وقد يصح هنا القول ان تداعيات الاعتداءات التي تعرضت لها باريس وبروكسل، ومن قبلهما نيويورك، ولّدت أخطاراً لم تكن صناعة التأمين قد فطنت لها من قبل. وبذلك فإن الارهابيين قدموا (من حيث لا يدرون طبعا) »هدية«  لصناعة التأمين في العالم.
الا انها ليست كغيرها من الهدايا التي تبهج  القلوب، بل  هدية مغمسة بدماء الابرياء ومشحونة بالحقد والكراهية، ما يجعلها تبز ببشاعتها غزوة المغولي هولاكو لعاصمة العباسيين قبل ما يزيد عن 750 سنة!





مقالات ذات صلة:

شركات التكافل بحاجة الى طراز جديد لأعمالها


من WAREMAL الى  RANSOMWARE
تحدّ جديد يواجه صناعة التأمين والمصارف العربية


لا تأمين عربي الكترونياً
قبل انتهاء حروب »داحس والغبراء«


التأمين العربي أمام آفاق مسدودة

الحـــروب تـــدمّـــر مستقبـــل الأجيـــال الشـــابـــة