تنظر الدول
العربية الى استقدام خبراء التأمين من خارج الحدود بعدم ارتياح ان لم يكن باشمئزاز،
وترى فيه تفريطا بحقوق مواطنيها. ولذا قلما توافق على السماح لشركات التأمين
والاعادة والوساطة العاملة على اراضيها بالتعاقد مع خبراء من خارج حدودها الوطنية،
حتى ولو كانوا عربا. وان حصل ان وافقت على منح احدهم اجازة العمل والاقامة فإنها
تفعل ذلك بشروط »مسكوبية« ولسنوات معدودة.
واذ اعتمدت بعض
الدول العربية جداول زمنية لرفع نسبة التوطين تدريجا ووصولا الى 100 بالمئة بعد
فترة زمنية طويلة نسبيا، (التوطين هنا يعني نقل الوظيفة من الخبير الاجنبي الى
مواطن من ابناء البلد) فإن سوريا الشقيقة اختارت ان تختصر اجازات العمل والاقامة
لخبراء التأمين المستوردين من خارج الحدود بحيث لا تزيد عن اجازة واحدة او اجازتين
لكل شركة ولفترة ثلاث سنوات غير قابلة للتجديد.
ان اعطاء ابن
البلد حق الاولوية في تسلم الوظائف امر مشروع مبدئيا. ولا يجادل في صحته عاقل. الا
ان المغالاة في الحرص على سد الابواب امام الخبرات البشرية، يمكن ان تكون ضارة
للاقتصاد الوطني ككل.
ذلك ان العالم
شهد ويشهد تطورات متسارعة وقد تولد منها من الاخطار التأمينية انواع لم يكن يعرفها
حتى المقتدرون من الضامنين في العالم.
وبكونها صناعة
تواكب وتتكيف ومقتضيات العصر وتوفر للمجتمعات الحماية الاقتصادية ازاء الاخطار التي
تتهددها، فقد توجب على شركات التأمين ان توسع ضماناتها لتشمل مروحة واسعة مما يسمى
في لغة التأمين اخطارا مستحدثة .
ففي حقل تأمين
الممتلكات الثابتة FIXED PROPERTIES
اوجدت صناعة التأمين عقودا خاصة STAND
ALONE POLICIES تغطي بموجبها ما كان حتى الامس القريب
يشكل استثناءات ثابتة في عقود التأمين على الممتلكات لا سيما الحرب والحروب الاهلية
والثورات والارهاب، وكل خطر آخر يمت الى اعمال العنف ACTS
OF VIOLENCE بصلة .
وفــــي مجــــال
تأمينــــات النقــــل، بــــرا وبحــــرا وجــــوا، تحــــول الخطف والفديــــة
KIDNAP AND RANSOM الى خطر قابل للتغطية بموجب عقد خاص.
وفي مجال تأمين
الاشخاص ضد اخطار الحياة LIFE
اوجدت شركات التأمين عقودا تضمن بموجبها دفع المبالغ المتفق عليها في حال تعرض
المتعاقد المضمون (المؤمن) للهلاك، او لاصابة او اعاقة جسدية جراء عمل ارهابي او
جراء حرب او حرب اهلية. وضمان هذه الاخطار كان من المستحيلات في ما مضى.
اما فــــي
مجــــال المنشآت الغازيــــة والنفطيــــة التــــي يكثــــر وجودهــــا فــــي
منطقتنا العربيــــة فقــــد اعــــدت صناعة التأمين عقودا خاصــــة لضمــــان
الاخطــــار البيئيــــــــة ENVIRONMENTAL RISKS
بما في ذلك التلوث POLLUTION .
وقد تابع العالم
وما يزال يتابع باهتمام الكارثة البيئية التي اجتاحت خليج المكسيك والمدن المحيطة
به، جراء انهيار المنصة العائمة DEEP WATER HORIZON .
وفي نطاق التأمين
الصحي HEALTH شرعت الحكومات (ومن
بينها المملكة العربية السعودية وامارة ابو ظبي) انظمة وقوانين جعلت بموجبها
التأمين الصحي الزاميا للمواطن كما لشركة التأمين. وجرى اعتماد عقود جديدة للتأمين
الصحي تمنع على شركة التأمين التفلت من تغطية الامراض المزمنة، وتلك التي كان يعاني
منها المتعاقد قبل اصدار عقد التأمين PREEXISTING
CONDITION. وتوجب النصوص الجديدة على الشركة الضامنة ان
تغطي الاعضاء الاصطناعية PROTHESISES
اضافة الى نفقات علاج الاسنان DENTAL .
كما تمنع على شركة التأمين ان ترفض المسنين من طالبي
التأمين الصحي.
اما على مستوى
المسؤوليات المدنية فقد شهدنا تطورا عالميا متسارعا لمسؤولية المقاولين وارباب
العمل واصحاب المهن الحرة، والمدراء التنفيذيين بحيث بات عقد التأمين ضد المسؤولية
المدنية يشمل اخطارا غير مألوفة مثل: الخطأ والسهو ERROR
AND OMISSION والتحرش الجنسي
SEXUAL HARASSMENT والخطـأ المهني
MALPRACTICE من الاخطار المشمولة في العقد.
ولن استفيض في
تعداد التغييرات التي استحدثت في مجال تغطية الاخطار غير المــــوجــــودة في
ديارنــــا العربيــــة ومنهــــا علــــى سبيــــل المثــــال الاخطــــار
الفضائيــــــــة SPACE RISKS او
النووية NUCLEAR .
ان التغييرات
المتتالية والتحولات التي تعيشها صناعة التأمين، هي اكبر من ان تستوعبها اي سوق
تأمين في العالم بالغا ما بلغ تقدمها على المستوى الفني.
والتعاطي مع
الاخطار المستحدثة لن يكون متاحا الا لمن غاصوا في بحور عقود التأمين الجديدة
فأدركوا ابعادها القانونية، وتجمعت لديهم القدرات التي يحتاجونها لتلبية حاجات
الزبائن. وهذا النوع من الضامنين تفتقر اليه اسواق التأمين العالمية.
يؤكد ذلك ازدحام
ابراج التأمين في لندن (بما فيها برج لويدز LLOYD'S)
وباريس وزوريخ وفرنكفورت ونيويورك بالخبراء ذوي الجنسيات
الاجنبية والاختصاصات المختلفة.
وان كانت السلطات
المختصة في تلك الاسواق توافق على استقدام الخبرات البشرية للعمل على اراضيها فكيف
تراها تبرر السلطات العربية رفضها او ترددها في الترخيص للخبراء من غير مواطنيها
للعمل في اسواقها؟
ولا يخفى ان
المجتمعات العربية تعاني هزالا فاضحا في ثقافتها التأمينية، وهذا واقع طالما شكا
منه الاتحاد العام العربي للتأمين GAIF
وغيره من جمعيات واتحادات التأمين العربية. وذلك في ختام كل
مؤتمر يعقد هنا او هناك في ارجاء الوطن العربي.
والامر الادهى هو
ان الثقافة التأمينية تكاد تكون معدومة ليس لدى الجمهور العربي فحسب بل ولدى
القيمين على شؤون صناعة التأمين والعاملين فيها، حتى ليشعر المرء اننا نعيش الزمان
الرديء للتأمين العربي او اننا نقف على حافته.
ولعله من المناسب
ان اذكر هنا ان لبنان الذي تزعّم لفترة زمنية ماضية ريادة التأمين العربي، رخص لست
من شركات التأمين اللبنانية ان تستقدم مديريها العامين من الخارج!
من هنا،
فالاستعانة بالخبرات الاجنبية في مثل هذه الظروف لم تعد ترفا بل ضرورة ملحة.
وانها لحقيقة، لا
لبس حولها، ان السماح للشركات بالتزود بالقدرات الاحترافية لا بد ان ينعكس خيرا ليس
على مساهميها وحسب، بل وعلى الاقتصاد الوطني ككل.
فبنجاحها تفتح
الشركات العربية للتأمين والاعادة والوساطة فرص العمل امام الاجيال الشابة وتساعد
على تخفيف وطأة البطالة عن المجتمع.
وبإبقائها على ما
هي عليه من ضعف مهني تفوّت السلطات المعنية عليها فرص التنامي والارتقاء الى مستوى
قريناتها في الدول الصناعية، كما تفوّت على مجتمعاتها فرص فتح آفاق جديدة امام
الشابات والشبان العرب.