الخطر البيئي المحدّق...

بقلم المهندس زياد زخور

2017-09-25 : تاريخ النشر

ارسل المقال الى صديق اطبع المقال

أذكر عندما كنا تلامذة في المدرسة، كان استاذ الرياضة البدنية يستعيض احيانا عن تدريس حصة الرياضة في ملاعب المدرسة، بتنظيم رحلة في الاحراش او ما كان يعرف باللغة الفرنسية TOUR DE FORET.

فبدلا من ممارسة الرياضة المدرسية التقليدية المعروفة، كنا نتوجه على الاقدام في رحلة بين اشجار الغابة المجاورة للمدرسة.

وكانت تشكل تلك الرحلة مناسبة لتسلق الجبال او عبور الوديان والمنحدرات، وهي تتطلب  بذل مجهود جسدي وتحريك معظم عضلات الجسم، ما يؤدي الى دب المنافسة والحماس والتشجيع بين التلامذة المشاركين في الرحلة في ظل الطبيعة اللبنانية الخضراء والجميلة. كما كنت اسمع من بعض الاصدقاء أن تلك الرياضة (رحلة في الطبيعة) كانت تمارس ايضا في مدارس لبنانية عديدة.

أما اليوم، امام الوضع البيئي المزري والخطير الذي وصلنا اليه، فمن المستحيل الاستعاضة عن حصة الرياضة المدرسية بممارسة تلك الرياضة! فالاحراش والغابات المجاورة للمدارس هي في تناقص مستمر من جراء عوامل كثيرة، اهمها: الزحف الاسمنتي الهمجي الذي يبتلع الربوع اللبنانية الخضراء، والحرائق المتعمدة التي تلتهم الاحراش والغابات، والنفايات والردميات التي تلوّث الينابيع والانهر والوديان...

نعم لا يمكننا اليوم ممارسة تلك الرياضة الا عبر تنظيم رحلات خارج المدن والبلدات، والى مناطق جبلية لا تزال حتى تاريخه بعيدة عن الهجمة العمرانية الفوضوية والتلوّث البيئي! ولكن السؤال الى متى؟

ان هذا الوضع البيئي المتردي دفع البعض الى انشاء نوادٍ لمحبي الطبيعة التي تقوم بتنظيم رحلات في الغابات والاحراش والوديان عبر طرقات مخصصة لتلك الغاية، تتيح للمشاركين فيها الاستمتاع بما تبقى من جمال لبنان الاخضر.

بكل أسف مساحات الغابات والاحراش في انخفاض متواصل وربما هي على طريق الزوال، اذ لم يسرع المسؤولون المعنيون الى وضع مخطط توجيهي واستراتيجي للمحافظة على ما تبقى من لبنان الاخضر.

إن هذا الوضع المأساوي أصبح يشكل خطراً كبيراً على الطبيعة اللبنانية، فالغابات والأحراش كانت تغطي أكثر من 40 في المئة من مساحة لبنان في منتصف القرن الماضي، فأصبحت تغطي حالياً أقل من 9 بالمئة من مساحته، وهي في تقلّص متواصل، دون ان نلمس أي عمل حقيقي رسمي للحد من هذا النزف البيئي المخيف!

فالمشاريع العمرانية الفوضوية مستمرة، وهي تواصل نهش وأكل كل بقعة خضراء تعترض مسارها، كما ان مياه الصرف الصحي والنفايات والردميات حوّلت الوديان والأنهر الى مكبات تبثّ السموم والروائح الكريهة وتنشر الأمراض المنقولة بواسطة الحشرات والقوارض على أنواعها، ناهيك عن الحرائق التي ما تزال تلتهم الغابات والأحراش! نعم ان المساحات الخضراء في لبنان نحو الاندثار!

وإذا كانت الأحراج في بيروت الكبرى، والغابات في جبل لبنان هي الأكثر معاناة جراء التخمة العمرانية والكثافة السكانية، فإنها أيضاً في المحافظات الأخرى في أوضاع لا تحسد عليها! فهي مهددة بالإنقراض بشكل جدي، فكارثة تلوّث نهر الليطاني ماثلة أمام أعيننا. فرغم المحاولات الخجولة لإنقاذه عبر تشكيل لجنة وزارية لمتابعة أوضاعه ومعالجة مصادر تلوّثه، فما يزال في دائرة الخطر والعناية الفائقة، رغم الإجراءات التي اتخذت لوضع حد لتلوّثه! فالإهمال المتمادي والتقاعس الرسمي المستمر منذ سنوات عدة أديا الى الكارثة البيئية التي نعاني منها اليوم!

أما مطمرا الكرنتينا والكوستابرافا فحدّث ولا حرج! فإن أضرارهما البيئية غير محدودة، فهي تفتك بالثروة السمكية والتنوّع البيولوجي، كما ان تسرّب كميات هائلة من عصار النفايات الى البحر يضاعف من تلوثه!

آن الأوان لاتخاذ تدابير سريعة وقيصرية لإنقاذ ما تبقى من لبنان الأخضر ورعايته وحمايته!. في المحصلة ان الكارثة البيئية في لبنان مرتبطة عضوياً بالتلوّث الثقافي والأخلاقي والحضاري. فطالما بقي بعض اللبنانيين يهرولون وراء جشعهم وطمعهم وأنانيتهم ضاربين بعرض الحائط مصالح بلدهم، ويرفضون مواكبة التطور الفكري والثقافي والعلمي، فإن ثروتنا البيئية ستبقى مهددة بمخاطر محدقة قد تؤدي الى هلاك محتّم، ولن يبقى لبنان الأخضر إلا في أغاني السيدة فيروز وذكريات الزمن الجميل. فالتصحّر جار على قدم وساق.. تصحّر بيئي معطوف على تصحّر فكري!





مقالات ذات صلة:

الخطر البيئي المحدّق...


سلسلة الرتب والرواتب


انتخابات الكترونية


بحــــــــر لبنــــــــان