كي يعود لبنان بلداً جميلاً...

بقلم المهندس زياد زخور

2017-02-24 : تاريخ النشر

ارسل المقال الى صديق اطبع المقال

لا يمكن لأي مراقب ذوّيق وصاحب ضمير حيّ إلا ان يشمئزَّ من درجة القباحة التي بات يتمتع بها المشهد المعماري اللبناني الحالي! فالتمدّد العمراني العشوائي اجتاح وأكل القسم الأكبر من المساحات الخضراء والحقول والغابات والوديان والجبال، وأصبح لبنان بمعظم مناطقه أشبه بكتل خرسانية بشعة تفتقر الى أدنى المقومات البيئية السليمة والهندسية اللائقة.

فباستثناء قلّة قليلة من المشاريع العمرانية المميزة التي نفذت ضمن معايير عالية أو مقبولة من الجودة والتصميم الهندسي الذي يتواءم مع البيئة والطبيعة، فإن أغلبية المشاريع العمرانية اليوم أصبحت بمعظمها تجارية بامتياز، تبغي الربح الكبير والسريع غير عابئة بأي معايير بيئية أو جمالية أكان في التصميم أو التنفيذ.

وفي ظل وجود مخطط توجيهي أعدّ بعقلية الخمسينات من القرن الماضي، بات العمران العشوائي سيد الساحة!.

نعم لبنان بمعظم مدنه وبلداته وقراه لم يعد يحمل أي شيء من معالم البيئة والجمال، علماً أنه لسنوات ماضية خلت كانت تلك المدن والبلدات والقرى تتميز بجمال بنيانها ونضارة طبيعتها ونظافة بيئتها. لكن الطفرة العمرانية الهائلة التي عرفها لبنان خلال السنوات التي تلت الأحداث الدامية التي وضعت أوزارها في الربع الأخير من العام 1990، كانت كافية لتدمير وتشويه كل الذي ذكرناه آنفاً، في ظل لا مبالاة المسؤولين المعنيين لا بل بالتواطؤ مع معظمهم! فالمال أولاً يعلو ولا يعلى عليه، وهو الأقوى والأفعل حتى تاريخه!

في كل دول العالم هناك مخططات توجيهية وقوانين تنظيم مدني تحمي الأبنية التراثية والبيئة والطبيعة، وتنظم الحركة العمرانية وتجد الحلول الملائمة للتضخم السكاني والعشوائيات وأزمات المرور والخدمات على مختلف أنواعها في المدن والبلدات والقرى، ضمن معايير وتصاميم واضحة. فالبيئة والطبيعة جعلتا من لبنان على مر العصور مقصداً بارزاً وجذّاباً للسائحين، وأمّنت للبنانيين ولقاطنيه عيشة جميلة وبيئة نظيفة.

فدراسة الأثر البيئي أصبحت من ضمن الشروط المطلوب توفرها لمنح رخص البناء في البلدان المتطورة، وذلك من أجل المحافظة على التراث العمراني للمدن والبلدات والقرى. فعلى المباني الحديثة ان تتقيّد بقوانين هندسية محدّدة للمحافظة على تناسقها مع الطبيعة المحيطة بها. فعلى سبيل المثال لا الحصر، المدن والبلدات والقرى في فرنسا واسبانيا وايطاليا وغيرها من البلدان المتحضرة التي ظلت محافظة على تراثها العمراني وطبيعتها، تجذب سنوياً مئات الملايين من السيّاح ومحبي الطبيعة.

أما في لبنان الذي أنعم الله عليه بطبيعة خلاّبة لا مثيل لها في الشرق الأوسط، فإن جشع بعض المستثمرين والمطورين العقاريين مع رعاية وحماية بعض المسؤولين، شوّه جمال هذه الطبيعة وحوّل مدننا وبلداتنا وقرانا الى كتل اسمنتية تساهم في تشويه الطبيعة المحيطة بها. فسوء التنظيم المدني في ظل الفساد والرشوة والإهمال كان له أثر مدمر على البيئة والطبيعة وبالتالي على حياة الإنسان في لبنان!

وإذا ما تصفحنا صوراً عن لبنان القديم، لا يمكننا إلا ان نتحسر على ماض جميل. فصور الغابات الطبيعية والأحراج الكثيفة والوديان والأنهار والينابيع المتفجرة والمساحات الخضراء الشاسعة التي كانت تشمل كل المناطق اللبنانية، ساحلاً وجبلاً، أصبحت شبه نادرة وما »زمط« منها ما زال مهدداً بالإنقراض النهائي، في حال بقيت الأمور على علاتها!

من هنا تبرز أهمية وضع مخطط توجيهي لتنظيم مدني منهجي ولتنظيم الحركة العمرانية ضمن معايير هندسية متطورة وبيئية سليمة، تحافظ على ما تبقى من طبيعة لبنان المتنوعة والغنية وتؤمن السكن اللائق ورفاهية الحياة لمواطنيه.

إن الحلول ليست بعملية صعبة أو معقدة، فهي تبدأ بالتقيّد الدقيق في ما يخص الارتفاع وعامل الاستثمار ومنع منح الإستثناءات على أنواعها! وفرض إقامة الحدائق والمساحات الخضراء ضمن العقار الذي يشاد عليه البناء، وإنشاء مواقف للسيارات تحت الأرض وغيرها من معايير التنظيم المدني الخاصة بالمناطق الحرجية والغابات أسوة بما هو معمول به في الدول المتحضرة كسويسرا والنمسا وفرنسا وبريطانيا وغيرها.. حيث ان البيئة محترمة الى أقصى الحدود. فالتقنيات الهندسية الحديثة قادرة في حال اعتمادها، على إيجاد حلول لمعظم المشاكل والتقيّد بمعايير الجودة دون إلحاق الضرر بالبيئة.

فالتشويه المستمر في لبنان منذ أكثر من نصف قرن لا يمكن ان يتواصل الى ما لا نهاية! فالأضرار البيئية والمادية مدمرة، أما الضرر المعنوي والتاريخي فلا يمكن تعويضه بأي ثمن.

فلا عراقيل تقنية مهمة إذا اتخذ المسؤولون القرار الصارم لإنقاذ الطبيعة اللبنانية قبل فوات الأوان! فلطالما كان لبنان أجمل بلد في الشرق الأوسط، نظراً لتمتعه بطبيعة فريدة وبيئة استثنائية في هذا الشرق، ولطالما تغنى شعراء عرب وأجانب بجمال لبنان ومناخه وطبيعته، فعار علينا نحن أبناؤه الاستمرار بتشويهه، وقد آن الأوان للعمل معاً بجد كي يعود لبنان بلداً جميلاً.!





مقالات ذات صلة:

انتخابات الكترونية


بحــــــــر لبنــــــــان


الحكومة الالكترونية


الاقتصاد اللبناني المتعثر