الثــورة الخضــراء

بقلم المهندس زياد زخور

2016-12-16 : تاريخ النشر

ارسل المقال الى صديق اطبع المقال

تكتسح العالم اليوم حركة بيئية غير مسبوقة أصبحت تعرف بالثورة الخضراء. ثورة ناصعة البياض نظيفة، ركيزتها الأساسية وقف الأعمال الإجرامية بحق البيئة والطبيعة، وإعادة ترميم وإصلاح ما أفسدته أيدي الإنسان خلال العقود الماضية. وعلى خطى الثورة الرقمية التي ما تزال تجتاح العالم بابتكاراتها وتكنولوجيتها وانعكاساتها الايجابية على حياة البشر، تحمل الثورة الخضراء الكثير من الآمال والأحلام الجميلة، التي في حال تحقيقها، سينعم العالم بخيراتها في العقود القادمة. نعم مطلوب عمل كبير وجهود جبارة وأدمغة وسواعد لتتحول الآمال والأحلام الى حقيقة.

مؤتمرات بيئية دولية تعقد سنوياً للدفاع والمحافظة على البيئة في العالم، يتم خلالها توقيع (وإن بخجل) العديد من الاتفاقات لإعادة الأمور الى طبيعتها، والحدّ من الأعمال التي تشوّه البيئة، وحماية كوكبنا والمحافظة عليه للأجيال القادمة.

وعلى الرغم من اللوبيات المالية والصناعية في العالم والتي تعمل المستحيل للاستمرار بمشاريعها التي تلحق أضراراً فادحة بالبيئة وبصحة الإنسان، انبثق رأي عام عالمي بدأ ينمو ويكبر ويعمل على فضح إجرام تلك اللوبيات والمحافظة على البيئة النظيفة في العالم، وحماية صحة البشر.

فالثورة الصناعية الفوضوية ما تزال تأكل الأخضر واليابس وترفع من نسبة الاحتباس الحراري والتلوث البيئي والتصحر وغيرها من الموبوءات التي أصبحت ظاهرة للعيان ولا يمكن تجميلها لا بالمال وشراء الضمائر أو بالتكاذب والتحايل! نعم حان وقت العمل، وقت الإصلاح البيئي. نعم للثورة الخضراء التي في حال نجاحها ستقلب الأمور رأساً على عقب. فعلى سبيل المثال لا الحصر، وافق البرلمان الفدرالي الألماني خلال شهر تشرين الأول (اكتوبر) المنصرم، على مشروع قانون يحظر استخدام المركبات التي تسير على المشتقات النفطية خلال السنوات العشرين القادمة، وسيسمح فقط لتلك التي تعمل على الطاقة الكهربائية والهيدروجين.

إنه أول الغيث! قفزة نوعية قامت بها دولة بين الدول الأكبر في العالم في صناعة المركبات، فالشعوب في الدول المتقدمة لم تعد تقبل المساومة على الأمور البيئية، لأنها لمست لمس اليد الإجرام الذي ترتكبه حفنة من رجال السياسة والأعمال والمال بحق البيئة، والتي همها الأوحد كسب المزيد من المال وتكديس الثروات!

وبالعودة الى لبنان المنكوب بيئياً على كافة المستويات، فحدّث ولا حرج! المياه، الكهرباء، المياه الآسنة، النفايات، الأنهر، الثروة المائية والحرجية والكسارات، المطامر وأخيراً وليس آخراً التنظيم المدني! نحن بحاجة الى ورشة عمل بيئية كبيرة وحقيقية وشاملة، وإذا تمكن لبنان من إنجازها بصورة سليمة، فستكون قادرة على تأمين الآلاف من الوظائف وفرص العمل والداعمة الأولى للإقتصاد الوطني بكل قطاعاته!

نبدأ أولاً بالعاصمة بيروت التي تحول وسطها الى مربع للأبنية والأبراج الفاخرة، يتمتع ببنى تحتية حديثة، لكنه محاصر بزنار من الأحياء الشعبية القديمة المكتظة بالأبنية المهترئة التي أكل الدهر عليها وشرب، والتي تشهد من حين الى آخر عمليات ترميم شكلية وبشكل بطيء وفوضوي، ما أدى أحياناً الى انهيار أبنية خلفت وراءها عشرات الضحايا. فمدينة بيروت تفتقر الى الحدائق العامة والمرائب والنقل العام المنظم الذي يحترم الأنظمة والقوانين البيئية، إنها الفوضى بعينها! إن التخلص من هذه الفوضى بحاجة الى إرادة وتصميم والى وضع خطة تنظيمية حقيقية لإيجاد المساحات الخضراء والمرائب من أملاك البلدية الكثيرة الشاغرة ولترميم أحياء بيروت القديمة، وهي تعد بالمئات فتتحول خلال سنوات قليلة  الى مناطق سكنية وتجارية عصرية تنعم ببنى تحتية متطورة وبيئة خضراء نظيفة يفتخر بها أهالي بيروت.

فهل من المعقول ان يتحول مجرى نهر بيروت مثلاً الى بركة تتجمع فيها المياه الآسنة، وضفافه الى مكب للنفايات تنبعث منه الروائح ومنبع للحشرات والأمراض والفيروسات، في حين كان من الممكن ان يكون متنزهاً لأهالي العاصمة وضواحيها وللسياح تماماً كنهر الـ SEINE في باريس والـ DANUBE في دول أوروبا الوسطى والـ THAMES في بريطانيا وVOLGA في الاتحاد الروسي! فلماذا مفروض علينا في لبنان ان نحول دائماً النعمة الى نقمة! فالأنظمة والقوانين لحماية  البيئة في لبنان موجودة، علينا فقط تطبيقها والتقيّد بنصوصها، لتتحوّل مدننا وبلداتنا الى واحات خضراء نفتخر ونعتز بها، عوضاً عن تحول معظمها الى بؤر للتلوّث ومضرب مثل للتخلف نخجل من مظهرها!

أما القرى اللبنانية الجبلية التي كنا نتغنى بطبيعتها الجميلة المكوّنة من جبال وأحراج وأشجار مثمرة بالإضافة الى وديان وأنهر وينابيع وسهول، فتعرضت معظمها الى هجمة عمرانية شرسة، ومن الممكن في حال استمرارها ان تتحول هذه القرى الجميلة خلال السنوات القليلة القادمة  الى ما يشبه إحدى ضواحي العاصمة البرازيلية السابقة RIO DE JANEIRO والمعروفة باسم FAVELAS التي أصبحت منطقة سكنية عشوائية فقيرة لا تخضع لأي من المعايير العمرانية الحديثة وعاجزة عن تقديم الخدمات الأساسية لقاطنيها! إن هذه القرى اللبنانية قادرة في حال سارعنا الى حمايتها، ان تكون أشبه بقرى الريف الفرنسي أو البريطاني أو أي ريف آخر في البلدان المتطورة، مقصداً يتقاطر اليه ملايين السياح للاستجمام والتمتع بمناظره الجميلة وبيئته النظيفة. نحن في لبنان ندمر أريافنا طمعاً بالكسب السهل والسريع، نقضي على الأحراج والأشجار لننشئ أبنية خرسانية دون تأمين الحد الأدنى من الخدمات العامة كالصرف الصحي والكهرباء ومياه الشرب وجمع النفايات..!

كما ان الكسارات والحفارات ما تزال تفتك بهذه الأحراج والأشجار فحولتها الى صحراء جرداء، والباقي منها يتعرض سنوياً للحرائق المفتعلة أو يتحول الى مكبات عشوائية لمختلف أنواع الردميات والمخلّفات والنفايات..

أما عن الكوارث التي لحقت وما تزال بالأنهر في لبنان، فعلينا ان نتفحص جيداً مشكلة تلوث نهر الليطاني التي انفجرت مؤخراً مخلفة وراءها أضراراً لا تعدّ ولا تحصى تقدر تكلفتها بعدة مئات من ملايين الدولارات. إن هذه المشكلة العويصة تثبت استهتار  الدولة اللبنانية بالبيئة وغض نظرها عن المخالفات والارتكابات بحق هذا النهر الأكبر والأهم في لبنان، والذي كان يؤمن مياه الري والشرب قبل ان يصب في بحيرة القرعون، التي هي أكبر البحيرات الاصطناعية في لبنان، وتستعمل مياهها المخزنة لتوليد الطاقة الكهربائية، وهي كانت المرفق السياحي الأبرز في منطقة البقاع الغربي، والعامل الأهم في استقطاب محبي الرحلات المائية وهواة  السباحة وصيد السمك.

نعم أنهر لبنان ملوثة بمختلف مخلّفات المصانع والمرامل والمستشفيات والنفايات العشوائية والمياه الآسنة، وهي بحاجة الى معالجة سريعة لتستعيد نظافتها ونقاوتها قبل فوات الآوان.

إن أهم ميزة كان يتمتع بها لبنان عبر العصور هي الطبيعة الخضراء الجميلة والمناظر الخلابة، فما الذي جعلنا نضحي بهذا الكنز الذي لا يقدربثمن! علماً ان الاستثمار في ظل بيئة نظيفة وصحية يؤمن ربحاً جيدأً ومردوداً أسرع! لذلك فإن الثورة الخضراء أصبحت أكثر من ضرورية، وعلى كافة شرائح الشعب اللبناني الانخراط فيها لنتمكن معاً من بناء بيئة نظيفة تؤمن مناخاً صحياً سليماً كفيلاً بجذب السياح والمستثمرين على حد سواء.

نعم نريد ثورة خضراء تعيد للبنان جماله ورونقه!





مقالات ذات صلة:

الحكومة الالكترونية


الاقتصاد اللبناني المتعثر


الإصلاح الحقيقي


كي يعود لبنان بلداً جميلاً...