كساد فكري وأخلاقي!

بقلم المهندس زياد زخور

2016-10-17 : تاريخ النشر

ارسل المقال الى صديق اطبع المقال

جرياً على عادة المسؤولين في لبنان، ومع موسم كل إنتاج زراعي، ترتفع صرخة المزارعين بسبب تكدس إنتاجهم في المخازن والبرادات، نتيجة لانعدام سبل تصديرها. في انتظار الفرج!

إنها قصة قديمة جداً كقصة »إبريق الزيت« لكنها استفحلت في السنوات القليلة الماضية بعد اندلاع الحرب في سوريا وإقفال المعابر البرية أمام الصادرات اللبنانية الى العمق العربي.

واليوم مع موسم إنتاج التفاح اللبناني الذي بدأ المزارعون قطافه، تفاقمت أزمة تصديره مع استمرار إقفال المعابر البرية.

إنها فضيحة حقيقية وبامتياز! فليس مقبولاً أو مفهوماً ان يظل المسؤولون نائمين وغير مبالين طيلة العام، فلا يتخذون أي إجراءات أو تدابير استباقية لتأمين تصدير وتصريف الإنتاج، فلم يستفيقوا ويباشروا تحركهم إلا بعد وقوع الكارثة.

إن المسؤولين يعلمون مسبقاً ان معوّقات وصعوبات ستعترض تصدير التفاح عند نضجه، فلم يعمدوا الى إيجاد الحلول إلا بعد ان ارتفعت صرخة المزارعين الذين صعّدوا غضبهم بإقفال الطرقات والأوتوسترادات. ما هكذا تعالج أمور وقضايا الناس وتبتكر الحلول، ولا يمكن اعتماد أو بناء سياسة تصدير مستدامة بالاتكال على مبادرات تكون بنت ساعتها!

إن التصدير السليم والمفيد يكون نتاج مسار طويل ومدروس بعناية من قبل ضالعين بشؤون الإنتاج الزراعي وشجونه. فالإقتصاد الحديث يرتكز على دراسات وخطط علمية متطورة. والمخجل المبكي ان صادراتنا الزراعية تأتي في معظم الأحيان والأوقات نتيجة حسنة أو تسول أو استجداء. إن هذا الأسلوب لا يبني اقتصاداً وطنياً قوياً نفخر به!

إن الاستمرار باعتماد تلك السياسة التصديرية غير المدروسة لا يوصل بالقطاع الزراعي إلا الى أوضاع كارثية، فالنتيجة المؤلمة أمامنا، ومزارعو التفاح اليوم هم ضحاياها!

فرغم موجات الغضب والتهديد والوعيد والظلم والقهر والفقر والتي نلمسها ونسمعها في كل موسم إنتاج زراعي: تفاح، بطاطا، زيتون، حمضيات، موز، ثمار وخضار على أنواعها.. لم نرَ المسؤولين يتخذون أي إجراءات استباقية ومدروسة لتأمين تصدير الإنتاج!

إن هذا الواقع الأليم لا يمنعنا من ان نقول ان قسماً من الزراعات التي اشتهر بها لبنان على مر السنين، ربما لم تعد زراعته مجدية، مع النهوض الإقتصادي والزراعي الذي شهدته البلدان التي هي وجهة التصدير الزراعي اللبناني.

فالقطاع الزراعي ركن أساسي من ركائز الإقتصاد الوطني اللبناني، فطقس لبنان المعتدل طالما كان دافعاً ومشجعاً لزرع المئات من الأصناف الزراعية ذات الجودة الممتازة والنكهة الطيبة، لكن تغير المناخ وتبدل أحوال الأسواق والإقتصاد العربي والعالمي، لم يرافقه تكيف القطاع الزراعي اللبناني مع تلك المتغيرات، وذلك نتيجة تقاعس المسؤولين وتجاهلهم لهذه التطورات وعدم منحهم القطاع الزراعي ما يستحقه من اهتمام وتخطيط.

فبدلاً من ان يكون القطاع الزراعي نعمة حقيقية للبنان الذي يتمتع بتربة خصبة ومياه غزيرة وطقس ما يزال حتى تاريخه معتدلاً، تحول الى نقمة بعد ان ترك فريسة للجهل والتخلف. ان الإنتاج الزراعي اللبناني صغير جداً ولا يمكن مقارنته مع إنتاج الدول الكبرى، لكن معظم الأصناف الزراعية اللبنانية مشهورة بجودتها ونكهتها، والأكثر طلباً في الدول العربية.

فأسواق التصريف موجودة لو حزم المسؤولون أمرهم ووضعوا مسبقاً خططاً للتسويق والتصدير، والمعايير والمواصفات المطلوب التقيّد بها للدخول الى تلك الأسواق من جهة، ولتبادل الإنتاج مع كافة الدول من جهة أخرى. هناك 7 مليارات إنسان في العالم بينهم الملايين من المغتربين اللبنانيين المنتشرين في أنحاء العالم. كلهم مستعدون ومشتاقون لتذوق والاستمتاع بالإنتاج اللبناني، لكن بكل أسف في ظل غياب الدولة وانتشار الفساد والسمسرة، لا مجال لتطور وازدهار وتصدير الإنتاج الزراعي اللبناني!

نعم سيبقى اللبنانيون وليس فقط المزارعين، رهائن لدى طبقة سياسية عممت الفساد والسمسرة في كافة إدارات الدولة، وسنظل نسمع صرخة غضب مزارعي التفاح والزيتون والبطاطا والحمضيات وغيرها من الثمار والخضار، طالما لم تتغير تلك الطبقة التي ما تزال تتحكم برقاب اللبنانيين، وليس من المستبعد ان ترتفع تلك الصرخة لتعم كافة المناطق اللبنانية.

نحن في جو كساد فكري وأخلاقي، والإفلاس الوطني يحيط بنا من كل حدب وصوب، عسى ان ينقلب هذا الجو رأساً على عقب قبل خراب البصرة!





مقالات ذات صلة:

انتخابات الكترونية


بحــــــــر لبنــــــــان


الحكومة الالكترونية


الاقتصاد اللبناني المتعثر