المهزلة مستمرة!

بقلم المهندس زياد زخور

2016-06-17 : تاريخ النشر

ارسل المقال الى صديق اطبع المقال

بعد الضجيج الكبير الذي أحدثه اكتشاف فضيحة الإنترنت غير الشرعي والتي طغت على كافة الأزمات والمشاكل التي يتخبط فيها البلد، خفتت الأصوات فجأة كأن شيئاً لم يكن، وعاد الجميع من القاعدة الى رأس الهرم، لممارسة أشغالهم بصورة طبيعية.
إن فضيحة الإنترنت وشبكات الاتصالات غير الشرعية التي أعلن عنها في الأسابيع الأخيرة لم تكن الأولى التي تهز قطاع الاتصالات في لبنان وبالتأكيد لن تكون الأخيرة!
سمعنا عن فضائح مماثلة خلال العقود الماضية، كان أبطالها من المتنفذين المحميين الذين جنوا أموالاً طائلة من جراء تأمين خدمات التخابر الدولي غير المشروعة عبر شبكات الاتصالات الشرعية الخاصة بالدولة اللبنانية. طبعاً »لفلفت« تلك الفضائح بسحر ساحر وبقي أبطالها يسرحون ويمرحون لفترة وجيزة، ليعاودوا أعمالهم غير المشروعة بصورة طبيعية. هذه الفضائح حرمت الدولة من عشرات الملايين من الدولارات التي أتخمت جيوب هؤلاء المتنفذين الفاسدين وحماتهم، طبعاً لم يتجرأ أحد على المطالبة باسترجاع أموال الدولة المنهوبة!
إن قطاع الإتصالات في أي بلد أكان كبيراً أو صغيراً، هو قطاع أمني، سيادي واقتصادي بامتياز، لا يمكن ان تتحكم به طبقة حاكمة فاسدة غير وطنية حتى لا نقول أكثر!
فقطاع الإنترنت هو الوسيلة شبه الوحيدة القادرة على جمع المعمورة في شبكة واحدة. إن أي انسان مرتبط بالشبكة »العنكبوتية« يمكنه الاطلاع على ما يجري في العالم بشكل مباشر وبصورة سريعة! فالثورات أصبحت منذ فترة قصيرة تخاض عبر »تويتر« و»فايسبوك « )FACEBOOK(. كما ان المنظمات الارهابية والتكفيرية أضحت تتبنى الجرائم التي ترتكبها عبر مواقعها الالكترونية المتصلة بشبكة الإنترنت.
نعم لقد تطور هذا القطاع خلال المئة عام المنصرمة بصورة كبيرة لا يحدّها عقل! تطور يمكن اعتباره هائلاً، مثيراً ومخيفاً  في آن معاً.
فأجهزة الأمن الأميركية مجتمعة فرضت على عمالقة شركات الإتصالات في الولايات المتحدة الاميركية تسليمها كافة المعلومات عن مستخدمي تلك الإتصالات بحجة المحافظة على أمن البلد ومكافحة الإرهاب. فشبكة الإتصالات برأي كافة تلك الأجهزة مرتبطة بالأمن القومي ولا يمكن المساومة عليه. حتى الحملات القوية التي قامت بها منظمات حقوق الإنسان والمدافعة عن الحريات، لم تتمكن من المحافظة على الحرية الشخصية للمستخدمين لشبكات الإتصالات على كافة أنواعها.
فالكلمة الاولى والأخيرة هي للأمن فقط. هذه المعايير مطبقة في البلدان التي تريد المحافظة على أمنها وسلامة مواطنيها، أما في لبنان فقطاع الإتصالات مستباح »على عينك يا تاجر« وهو مخروق من قبل نافذين فاسدين همّهم الأوحد تعبئة جيوبهم بالأموال المهدورة والمسروقة.
نعم الملايين من الدولارات سرقت وما تزال تنهب ولم نرَ أحداً من المسؤولين يتحرك كأن النهب والسرقة حدثا في بلد غير لبنان! والأخطر من تلك الفضائح، أن الخرق متواصل من قبل الأجهزة الاستخباراتية غير اللبنانية لشبكات الإتصالات اللبنانية دون حسيب أو رقيب!
إن الاستهتار والاستلشاق بقطاع الإتصالات اللبناني غير مقبولَين على الإطلاق! نعم هناك قوانين وأنظمة مطلوب تطبيقها وتقنيات مطلوب اعتمادها لتحصين قطاع الإتصالات في لبنان وحمايته من أي خروقات مهما كان نوعها أو إبطالها!
فالقانون اللبناني يحمي خصوصية التخابر للمواطن اللبناني، وهذه نقطة بديهية والتي من الواجب احترامها، ولكن في الوقت ذاته لا يمكن المحافظة على تلك الخصوصية، ان نعرّض امن البلاد وسلامتها للمخاطر المحدقة بها من كل حدب وصوب!
فقطاع الإتصالات هو العمود الفقري للمحافظة على أمن الوطن وحمايته من كل خطر يمكن ان يتربص به. كما انه في الوقت عينه المورد الأهم للرسوم لتغذية خزينة الدولة ودعم الإقتصاد الوطني.
إن تطوير البنى التحتية لقطاع الإتصالات يخلق فرص عمل جديدة ويؤدي الى نمو متواصل لواردات الدولة، فإذا نظرنا الى قطاع الإتصالات في دول العالم، نرى أنه حقق قفزات كبيرة ونوعية انعكست ايجاباً على خدماته وأعماله ونشاطه وايراداته، لذلك نرى هذا القطاع يشهد بصورة متواصلة ورشة تطوير وتحديث بالتوازي مع مضاعفة ايراداته!
من المؤسف جداً ان نرى قطاع الاتصالات في لبنان في أسوأ أيامه، فلا تطوير ولا تحديث ولا تكبير ولا استثمار. إن سياسة الأهمال مستمرة وهي تنخر هذا القطاع من أساسه!
من المعيب ان يبقى لبنان في أسفل قائمة الدول من حيث سرعة الإنترنت وسعته. هذا الأمر لم يعد مقبولاً بعد ان تم إنجاز شبكة الألياف الضوئية!
إن مافيات الإتصالات في لبنان التي تتحكم بهذا القطاع هي المسؤولة الأولى والمباشرة عن الوضع السيئ الذي يعيشه هذا القطاع! فهم الذين يحتفظون بمفاتيح تفعيل خدماته مدعومين بكبار المسؤولين في البلد الذين عن سابق تصميم وتصور يصرّون على إبقاء أوضاع هذا القطاع علىحاله المهترئة خدمة لمآربهم الشخصية ومصالحهم المالية.
إن هذا الوضع المزري سيستمر في بلد الأرز طالما ان الرؤوس الكبيرة من الفاسدين والمعروفة بالإسم والشهرة بقيت طليقة وقادرة على الاستمرار بالنهب والسرقة، وطالما أنهم قادرون على لفلفة فضائحهم والمحافظة على المناصب المالية التي يحتلونها ولكن لا يمكن ان تستمر المهزلة الى ما لا نهاية، فالشعب لن يرحم أبطالها عاجلاً أم آجلاً





مقالات ذات صلة:

الخطر البيئي المحدّق...


سلسلة الرتب والرواتب


انتخابات الكترونية


بحــــــــر لبنــــــــان