سيــــاحـــــة!

بقلم المهندس زياد زخور

2016-04-12 : تاريخ النشر

ارسل المقال الى صديق اطبع المقال

ذاع صيت لبنان كبلد سياحي منذ بدايات القرن الماضي، فهو بلد جميل لديه من المقومات السياحية المتميزة ما يؤهله لأن يكون مقصدا سياحيا للمواطنين العرب والأجانب.
فالبلد »كان« يتمتع ببنية سياحية عامرة جعلته علامة فارقة على الخريطة السياحية في المنطقة العربية! طبيعة خضراء، ينابيع مياه عذبة، جبال جذابة، طقس معتدل صيفا شتاء، مراكز اصطياف وتزلج، منتجعات بحرية، ومطبخ لبناني مشهور بأطباقه التقليدية وامتيازه بتقديم أطباق خاصة ببلدان من الشرق والغرب. فالشعب اللبناني مضياف ومعروف بكرمه وجهوزيته لاستقبال السياح.
نعم لبنان »كان« يملك كل ما هو مطلوب ليكون بلدا سياحيا بامتياز. وبالفعل عرف لبنان عصرا سياحيا ذهبيا خلال الستينات من القرن الماضي، فكان قبلة للسياح من مختلف البلدان القريبة والبعيدة، فكنا نراهم في مدنه وبلداته وقراه يتمتعون بشواطئه النظيفة وجباله الوافرة ومواقعه الطبيعية وآثاره التاريخية القديمة.
نعم كانت السياحة هي القطاع الاهم الذي يغذي الخزينة اللبنانية بأكثر من 20 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي قبل اندلاع الحرب التي سميت زورا حربا اهلية في العام 1975. هذه الحرب القذرة التي قتلت البشر ودمرت الحجر، قضت على المقومات السياحية للبلد.
بعد العام 1990 وعودة الامن والاستقرار، اخذ القطاع السياحي يستعيد عافيته ولو بصورة بطيئة، لكنه لم يصل الى المستوى الذي كان عليه ولم يتمكن من استعادة أمجاد السنوات السياحية الماضية، لانه لم يعد المحطة الاساسية على الخارطة السياحية، فبلدان عدة في المنطقة سبقتنا بأشواط، فبقيت السياحة اللبنانية سياحة هواة لا احتراف! سياحة تجذب نوعا معينا ومحدوداً من السياح وليس انواع كل السياح!
علينا ان نتوجه صوب قبرص او مصر او تركيا لنرى الفرق الشاسع بين خططنا السياحية وخطط جيراننا! فالفوضى ضاربة أطنابها في المجتمع اللبناني الذي ما عادت تنطبق عليه صفة »المضياف« تماما.
يكفي ان تطأ قدم السائح باحة الوصول في مطار رفيق الحريري  حتى يفاجأ بسائقي التاكسي يتزاحمون لاصطياده. تصوروا شعور هذا السائح في ظل هذا الهرج والمرج، وكيف لا يشكك بكل ما يسمع ويلجأ الى اخذ الحيطة والحذر خوفا من الوقوع في شباك الاحتيال! وترتسم علامات الاستغراب على وجهه عندما يعلم بأن معظم الشاطئ اللبناني مغلق في وجهه بفعل سيطرة النافذين عليه، فلا يستطيع ولوجه دون ان يدفع »خوة حرزانة« لمستثمريه! لكنه سيحمد ربه لاحقا عندما يعلم ان هذا الشاطئ ملوث بمياه الصرف الصحي ومخلفات المعامل والمصانع والنفايات...
اما الطبيعة الخضراء الجميلة التي تغنّى بها الشعراء وكل من زار لبنان، واستقطبت السياح والزائرين والمصطافين، فأضحت اليوم مهددة بالاندثار. فالفورة العمرانية الفوضوية تقضم جبال لبنان الخضراء على قدم وساق من دون اي مخطط توجيهي بيئي ومستدام، ناهيك عن الحرائق التي اصبحت زائرا سنويا وتحديدا في فصل الصيف حيث تقضي على الآلاف من الهكتارات في المناطق الحرجية، ولا ننسى المطامر العشوائية التي تشوه بشكل ممنهج الوديان والانهر وتهدد الينابيع والمياه الجوفية. والله وحده يعلم مدى الاضرار التي لحقت بالطبيعة اللبنانية نتيجة أزمة النفايات الاخيرة التي ضربت معظم المناطق اللبنانية واستمرت لأكثر من ثمانية اشهر!
اما المطبخ اللبناني الشهير بأطباقه فلم يسلم ايضا من التلوّث الذي اصاب معظم المنتجات الغذائية، وكان آخرها مادة القمح، انه انهيار اخلاقي عام وانعدام ضمير في ظل تحكم المافيات المحمية من كبار النافذين!
ولا يمكننا ايضا ان نغفل مشكلة ازدحام السير الخانقة التي ما تزال مستعصية عن الحل. فبأي سياحة نحلم واي سائح مستعد ان يمضي ساعات عدة عالقا في سيارة الأجرة للخروج من العاصمة او الدخول اليها!
هل من الممكن ان نتخيل سائحا عرف بهذه المعوقات يقرر تمضية اجازته في لبنان في ظل هذا الواقع المؤلم!
ان الحلول لهذا الواقع موجودة وسهلة وليست بحاجة الى اموال طائلة كما يحلو للمسؤولين ان يوهموننا، انها بحاجة الى عقل رزين وقرار صائب! فمشاريع الاستنهاض السياحي يمكن تنفيذها على طريقة الـ BOT. فالارباح مضمونة ضمن خطط مدروسة وشفافة ونظيفة، فهي لا تكلف خزينة الدولة قرشا واحدا، نعم هناك العديد من الشواطئ الجميلة الجاهزة للتنظيم والاستثمار، ومن الربوع اللبنانية الخضراء المؤهلة لاستقبال محبي التخييم والطبيعة، ومن المناطق الأثرية الجاهزة لتكون على خريطة الزيارات الثقافية، واخيرا وليس آخرا من القرى الصغيرة الجميلة لتكون مقصدا للسياح على مدار السنة.
بجملة مختصرة مفيدة واحدة: هناك الكثير من الفرص لاستعادة السياحة عافيتها في لبنان، طبعا ضمن حد أدنى من الاستقرار الأمني والسياسي في هذا البلد، ومنع وصول لهيب الحرب المشتعلة في المنطقة اليه .





مقالات ذات صلة:

الحكومة الالكترونية


الاقتصاد اللبناني المتعثر


الإصلاح الحقيقي


كي يعود لبنان بلداً جميلاً...