يعيش لبنان منذ اكثر من سنتين حالة
»هلع« عقارية غير مسبوقة.
فكل القطاع في غليان غريب عجيب!
ارتفاع اسعار بلغ اكثر من خمسة اضعاف
في فترة زمنية قصيرة، هجمة كبيرة على شراء العقارات، ازدياد كبير في اصدار تراخيص
البناء.
انه واقع الحال...
اما السبب فهو مستغرب نسبيا، لكن ضمن
حركة مالية حيوية ومن ابسط ما يكون: ازدياد كبير في الاموال المتدفقة الى لبنان ومن
مصادر مختلفة.
اما وجهة قسم كبير من تلك الاموال،
فهو قطاع واحد اثبت مع مرور الزمن انه القطاع - الملجأ اذ لم يكن عرضة لخضات او
انهيارات، الا وهو قطاع العقارات.
فصغر مساحة البلد وازدياد عدد السكان
وتدفق المالكين من عرب واجانب ولبنانيين مقيمين في الخارج، كلها اسباب جعلت الطلب
يتخطى العرض خلال فترة زمنية قصيرة. فارتفعت الاسعار بشكل جنوني، دون ان ننسى دخول
عامل الطمع البشري على الخط، مما زاد الوضع تعقيدا. ففائض الاموال المتدفقة كبير
جدا. ولسوء الحظ ليس في لبنان من قطاعات منتجة ومربحة كما في باقي دول العالم، من
صناعات او شركات تجارية وخدماتية مصنفة في البورصة، فاتجه هذا الفائض المادي الوافد
الى قطاع العقارات.
فاستفحلت حال المضاربة وبرزت مشكلة
اجتماعية جديدة قديمة، الا وهي عدم قدرة اللبناني المقيم على تملك شقة او منزل في
وطنه! وهذه كارثة كبرى وخطيرة ولا يمكن للمعنيين التعامل معها بهذه الحال من
اللامبالاة وترك الامور تتفاقم. صحيح ان الاقتصاد اللبناني اقتصاد حر ولكن هناك
دوما حاجة لقوانين تنظيمية ولضوابط تحافظ على الطبقة الوسطى وتؤمن سبل الحياة
الكريمة للانسان. اما الفلتان الحالي فغير منطقي وغير مقبول، لا بل هو جريمة بحق
اجيال المستقبل!
من هنا تبرز اهمية وضع خطة اعمارية
تنظيمية لكافة الاراضي اللبنانية، فالتصنيف الحالي للمناطق والعقارات قديم جدا وهو
بات في معظم الاحوال غير منطقي. فكم من منطقة صناعية اضحت اليوم محاطة بأبنية سكنية
مكتظة مع ما يشكل ذلك من خطر ومشاكل صحية عديدة. فالفوضى السائدة حاليا تؤدي فقط
الى مشاكل كبرى.
فأضحى لبنان عبارة عن كتلة خرسانية
نتنة يتشابك فيها الحابل بالنابل بشكل مقرف.
فالمخطط التنظيمي الجديد للمناطق
اللبنانية يجب ان يتم عبر الاستعانة بخبراء وشرفاء لبنانيين وغير لبنانيين من
مهندسين معماريين وفنانين ومفكرين وفلاسفة ورؤيويين.
اما التجار فممنوع عليهم التعاطي
بهذا الموضوع. فبفضل البعض منهم، اضحت المدن والبلدات اللبنانية مجمعات كادت ان
تقضي على التراث اللبناني الاصيل فلبنان الاخضر على طريق الاضمحلال!
لا مساحات خضراء، لا مجمعات رياضية
ثقافية او ترفيهية. بالمختصر المفيد بيئة ملوثة. فتنظيم مساحات البناء هو حجر
الاساس وهو يتطلب رؤية مستقبلية واضحة لبناء شوارع سكنية نموذجية تحترم البيئة
وتؤمن سبل الحياة الاساسية للسكان، من مياه، كهرباء، طرقات... الخ.
فمعظم مشاريع الافراز الجديدة في
لبنان لا تحترم تلك المتطلبات الحديثة. فعقلية التجارة والربح السريع هي الطاغية
دون اي التفاتة بيئية او فنية او صحية!
من هنا تبرز اهمية تنفيذ هذا المخطط
التوجيهي العلمي والحضاري للاراضي اللبنانية كافة، لحماية الثروة البيئية والمائية
وتأمين حياة كريمة للقاطنين.
نعم من واجب الحكومة ان تؤمن للمواطن
قروضا بفوائد ميسرة تمكنه من شراء شقة في مشاريع سكنية تحترم البيئة والعيش الكريم!
شئنا ام ابينا فمعظم تجار البناء
حوّلوا لبنان الى كتلة بشعة من الباطون المسلح في ظل تواطؤ ولا مبالاة من السلطات
المعنية... فتحولت القرى والمدن اللبنانية الى مساكن شعبية قبيحة، وما سلم الى الآن
هو على طريق التضحية به في ظل قوانين وانظمة بناء متخلفة... فالعقار اكان ارضا او
شقة ليس بالاساس سلعة للتجارة او المضاربة. وتحويره الى جنة استثمارية من قبل رؤوس
الاموال ليس امرا محمود النتائج. فالضوابط ضرورية وحماية الناس واجب الدولة
العادلة!
طبعا ان مالكي العقارات من شقق واراض
لن يتذمروا من تلك الحالة، فقيمة ممتلكاتهم ازدادت بشكل كبير ولكن من يحميهم من اي
انهيار يشهده هذا القطاع مستقبلا!
فتدفق الاموال لن يستمر الى ما لا
نهاية، وقد يتضح يوما ان تلك الفقاعة العقارية كغيرها من الفقاعات التي انفجرت في
العالم وستنفجر عندنا، وستكون تداعياتها كبيرة على الجميع!
ان نمو القطاع العقاري يجب ان يتناسب
ويتناسق مع النمو العام ومع القدرة الشرائية لمعظم المواطنين اللبنانيين!
فكيف يمكن مثلا لابن بيروت ان يشتري
شقة بملايين الدولارات في مدينته، ارض اهله واجداده؟ بينما الغريب قادر على ذلك!
فإذا كانت الحرب قد عجزت عن تهجير اهل بيروت فهل سيتمكن رأس المال الفاحش من ذلك؟
ان ازمة السكن مشكلة قديمة في لبنان
لكن استفحالها اخيرا ناتج عن عدة اسباب واهمها قانون تملك الاجانب المعمول به
حاليا، الذي يشجع المضاربة بالقطاع العقاري ويحد من قدرة اللبناني على شراء شقة او
منزل في وطنه!
فالدولة اللبنانية كعادتها غائبة عن
كل شيء. لا رؤية ولا خطة. فالنزيف البشري مستمر والبلد في مهب الريح! وانا اتجنب ان
اتخيل كيف سيكون شكل لبنان في نهاية القرن!
انه لمشهد مرعب...